يوم حمل الحجر الأسود

أيام في حياة الرسول
05:26 صباحا
قراءة 4 دقائق

جمع النبي صلى الله عليه وسلم في نشأته خير ما في طبقات الناس من ميزات، وكان طرازاً رفيعاً من الفكر الصائب والنظر السديد . وروى البخاري عن جابر بن عبدالله قال: لما بنيت الكعبة ذهب النبي صلى الله عليه وسلم وعباس ينقلان الحجارة، فقال عباس للنبي صلى الله عليه وسلم: اجعل إزارك على رقبتك يقيك من الحجارة (أي ارفع ثوبك)، فخر إلى الأرض وطمحت عيناه إلى السماء ثم أفاق، فقال: إزاري، إزاري، فشد عليه إزاره . وفي رواية: فما رؤيت له عورة بعد ذلك .

يقول الدكتور أمين ساعاتي في كتابه صلى الله عليه وسلم . . رؤية سياسية معاصرة: عندما قرر سادة قريش القيام ببناء الكعبة؛ وذلك لأن الكعبة كانت رضماً فوق القامة، ارتفاعها تسعة أذرع من عهد إسماعيل عليه السلام، ولم يكن لها سقف، فسرق نفر من اللصوص كنزها الذي كان في جوفها، وصدعت جدرانها، وقبل بعثته صلى الله عليه وسلم بخمس سنين جرف مكة سيل عرم انحدر إلى البيت الحرام، فأوشكت الكعبة منه على الانهيار، فاضطرت قريش إلى تجديد بنائها حرصاً على مكانتها، واتفقوا على ألا يدخلوا في بنائها إلا طيباً، فلا يدخلون فيها مهر بغي ولا بيع ربا ولا مظلمة أحد من الناس، وكانوا يهابون هدمها، فابتدأ بها الوليد بن المغيرة المخزومي، فأخذ المعول وقال: اللهم لا نريد إلا الخير، ثم هدم ناحية الركنين، ولما لم يصبه شيء تبعه الناس في الهدم في اليوم الثاني، ولم يزالوا في الهدم حتى وصلوا إلى قواعد إبراهيم، ثم أرادوا الأخذ في البناء فجزأوا الكعبة، وخصصوا لكل قبيلة جزءاً منها . فجمعت كل قبيلة حجارة على حدة .

حكمة النبي

ويضيف الكاتب محمد حسين هيكل في كتابه حياة محمد: بعد أن جمعت كل قبيلة الحجارة على حدة، ونقلت أحجار الغرانيت الأزرق من الجبال المجاورة بدأو في البناء، وتولى البناء بناء رومي اسمه باقوم . وحين وصل ارتفاع البناء إلى قامة الرجل وآن أن يوضع الحجر الأسود المقدس في مكانه من الجانب الشرقي، اختلفت قريش فيما يمتاز بشرف وضعه في مكانه، واستمر النزاع أربع ليال أو خمساً، واشتد حتى كاد يتحول إلى حرب ضروس في أرض الحرم، وتنشب حرب أهلية بسبب تحالف بني عبدالدار وبني عدي أن يحولوا بين أي قبيلة وهذا الشرف العظيم، وأقسموا على ذلك جهد أيمانهم . حتى قرب بنو عبدالدار جفنة مملوءة دماً وأدخلوا أيديهم فيه توكيداً لإيمانهم، ولذلك سُموا لعقة الدم . فلما رأى أبو أمية بن المغيرة المخزومي ما صار إليه أمر القوم، وكان أسنهم وكان فيهم شريفاً مطاعاً، قال لهم: اجعلوا الحكم فيما بينكم أول من يدخل من باب الصفا . فلما رأوا محمداً أول من دخل قالوا: هذا الأمين رضينا بحكمه . وقصوا عليه قصتهم، وسمع هو لهم ورأى العداوة تبدو في عيونهم، ففكر قليلاً ثم قال: هلُم إليّ ثوباً، فأتي به فنشره وأخذ الحجر فوضعه بيده فيه، ثم قال: ليأخذ كبيرُ كل قبيلة بطرف من أطراف هذا الثوب، فحملوه جميعاً إلى ما يحاذي موضع الحجر من البناء، ثم تناوله محمد من الثوب ووضعه، وبذلك انحسم الخلاف وانفض الشر . وأتمت قريش بناء الكعبة حتى جعلت ارتفاعها ثماني عشرة ذراعاً، ورفعوا بابها عن الأرض ليدخلوا من شاؤوا ويمنعوا من شاؤوا . وجعلوا في داخلها ست دعائم في صفين، وجعلوا في ركنها الشامي من داخلها درجاً يُصعد به إلى سطحها . ووضع هُبل في داخل الكعبة، كما وضعت في داخلها النفائس التي تعرضت من قبل للسرقة .

مكانة سامية

ويقول الشيخ صفي الرحمن المباركفوري في كتابه الرحيق المختوم . . بحث في السيرة النبوية: وبعد انتهاء بناء الكعبة أصبحت ذات شكل مربع تقريباً، يبلغ ارتفاعه 15 متراً، وطول ضلعه الذي فيه الحجر الأسود والمقابل له 10 أمتار، والحجر موضوع على ارتفاع 1،5 متر من أرضية المطاف . والضلع الذي فيه الباب والمقابل له 12 متراً، وبابها على ارتفاع مترين من الأرض، ويحيط بها من الخارج قصبة من البناء أسفلها، متوسط ارتفاعها 0،25 متر ومتوسط عرضها ،30 0 متر وتسمى بالشاذروان، وهي من أصل البيت لكن قريشاً تركتها .

وقد اختُلف في تحديد سن النبي صلى الله عليه وسلم حين بناء الكعبة وحين حكمه بين قريش في أمر الحجر، فقيل: كان ابن خمس وعشرين، وقال ابن اسحاق: كان ابن خمس وثلاثين . وسواء أصحت الأولى أم الأخرى من هاتين الروايتين فإن إسراع قريش إلى الرضا بحكمه أول ما دخل من باب الصفا، وتصرفه هو في أخذ الحجر ووضعه على الثوب وأخذه من الثوب لوضعه مكانه من جدار الكعبة، يدُل على ما كان له من مكانة سامية في نفوس أهل مكة ومن تقدير جم لما عُرف عنه من أصالة الفكر وحسن الفطنة .

وأخيراً يضيف الدكتور أمين ساعاتي في كتابه صلى الله عليه وسلم . . رؤية سياسية معاصرة: كان هذا اليوم لا ينسى في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، لأنه من أهم المواقف الصادقة والجليلة قبل نزول الوحي على محمد صلى الله عليه وسلم . وقد تبين من خلاف القبائل في وضع الحجر الأسود، والتحالف بين لعقة الدم، والاحتكام لأول مُقبل من باب الصفا، على أن السلطة في مكة كانت انحلت، فلم يبق لرجل منها ما كان لقُصي ولا لهاشم ولا لعبدالمطلب من سلطان، وأدى انحلال السلطان إلى مزيد من حرية الناس في التفكير والجهر بالرأي .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"