عادي
فكرته وضعتها كاتبة قصص من حقيقة معاناتها مع المرض

«نداء الوحش».. الطفولة في مواجهة فلسفة الحياة والموت

00:02 صباحا
قراءة 7 دقائق
مارلين سلوم

من كثرة تكرار اسم «الوحش» في السينما العالمية، خصوصاً تلك الموجهة للأطفال والمراهقين، صارت الوحوش ودودة، وامتزج الرعب مع الخيال والفانتازيا والكوميديا والدراما. ولم يعد الوحش يخيف الأطفال، بل صار بطلاً يجذب الجمهور إلى الصالات، خصوصاً حين تكون القصة مؤثرة مشوقة، والمعاني الإنسانية تعلي من شأن الدراما فيها، لتجعل فيلم «الصغار» لا يصلح إلا برفقة الكبار، كما في «نداء الوحش» المعروض حالياً في الصالات.
لا شك في أن قائد الأوركسترا في كل عمل سينمائي هو المخرج، لذا تجدنا في الأغلب ننسب الأفلام إلى مخرجيها أولاً، وتتراجع أسماء مؤلفي وكتّاب القصص والسيناريو، كأنهم كومبارس يقفون في الخلفية. ولا شك أيضاً، في أن هناك استثناءات، حيث يجبرك بعض الأفلام على البحث عن اسم الكاتب، خصوصاً إذا كان العمل يستند إلى رواية، والرواية مربوطة بحبل الواقع ومشتقة من قصة حقيقية، كما في حالة فيلم «نداء الوحش»، الذي لا بد أن نتوقف عند اسم مؤلفه، وأسباب كتابته لهذه القصة «المعقدة» بالنسبة إلى الأطفال، رغم أن بطلها صبي عمره 12 عاماً، والفيلم يصنف عائلياً وتم إرفاقه بإشارة «13 عاماً»، أي أنه يصلح للمشاهدين من هذه السن، وما فوق، كما يصلح للأصغر إنما برفقة أهاليهم.
يخيل إليك مع تحديد سن المشاهدة و«الوحش» في عنوان العمل، أنك أمام نوع من أنواع الرعب الذي تم تلطيفه ليصير فانتازيا. وتبقى متيقظاً، لتفاجأ بأن المشاهد كلها ممزوجة بين الدراما والفانتازيا والكرتون، لتوضع في قالب من الفلسفة التي تغوص في تساؤلات عميقة عن الحياة، والموت، والوجود، والصراع مع الذات وتكوين الشخصية.. أسئلة رفعت الفيلم من مستواه الطفولي، خصوصاً أنه خال من كل أنواع البراءة والفرح.
لا بد أن تبدأ حديثك عن «نداء الوحش» من قصته، لتعرج بعدها على الإخراج والأداء. باتريك نيس كتب الرواية أولاً، ثم حولها إلى عمل سينمائي، لكن الفكرة وضعتها أساساً كاتبة روايات الأطفال والمراهقين البريطانية الشهيرة سيوبهان دود، التي عانت كثيراً بعد إصابتها بمرض السرطان قبل أن ترحل عام 2007. سيوبهان أرادت أن تقرب فكرة المعاناة من المرض والموت من الأطفال ليصير واقعاً مقبولاً، يستعدون لمواجهته في أي وقت. بدوره نيس حاك خيوط قصته حول الطفل كونور أومالي، أو «كون» (لويس ماكدوغال) ابن ال 12 عاماً، الذي يعيش مع أمه المريضة، ومن دون أن يذكر لنا اسم المرض، عرفنا أنه السرطان، وأن أيام الأم صارت معدودة في الحياة.
تكفي هذه الحالة الإنسانية الصعبة، ليصير الفيلم عصيّاً على الأطفال الصغار، لا يستطيعون استيعاب الحالة النفسية التي يمر بها بطلهم «كون»، الذي أراد الكاتب أن يقدم لنا صراعه النفسي والفكري العميق، بكل تقلباته ومخاوفه وتعقيداته، من دون فسحات بيضاء.. عموماً، وضح الكاتب هذه النقطة بعبارة أوردها في البداية على شكل سرد للرواية، بصوت النجم ليام نيسن الذي أدى أيضاً دور الشجرة الوحش، حيث يقول عن كونور: «أكبر من أن يكون طفلاً، وأصغر من أن يكون رجلاً». تماماً كما هو الفيلم أكبر من أن يصلح للأطفال، وأصغر من أن يكون للكبار فقط.

كثيرة جرعات المرارة التي أذاقها نيس لبطله كون، حتى الأمل الوحيد في شفاء أمه، وتغلبها على المرض، الذي بقي متمسكاً به حتى اللحظة الأخيرة، تفكك ليواجه الصغير الموت باعتباره نهاية حتمية لا مفر منها. كان بإمكان نيس أن يجعل الجدة (سيغورني ويفر) أكثر حناناً وحنوّاً على حفيدها، فيخفف من وطأة المعاناة، معاناة البطل والمشاهد، على حد سواء. أو يجعل الأب أكثر تفهماً لوضع ابنه فيحتضنه ويأخذه ليقيم معه في أمريكا، بدل التحجج بضيق مساحة الشقة التي يسكنها مع زوجته وابنتهما الجديدة، وبأنها لا تتسع لشخص رابع. كأن نيس أراد إغلاق كل الأبواب في وجه بطله عمداً، ليتمكن من إنقاذ نفسه بنفسه، ومواجهة مصيره بالتسلح بالقوة والإرادة، وفك طوق الخوف، والصمت اللذين سجن نفسه خلفهما طويلاً.

ما علاقة الوحش بالطفل؟ إنه الخيال الذي يتحول إلى حقيقة، توأم النفس الضعيفة الباحثة عن ملاذ لتطمئن، وتشعر بالراحة. كونور، يراوده كابوس مزعج كل ليلة، حيث يرى أمه عند المقابر وقد تزلزلت الأرض من تحتها، فيسرع ملتقطاً يدها لانتشالها، وهو يبكي ويصرخ. يستيقظ الطفل كل ليلة عند المشهد نفسه مرعوباً، ينظر إلى المقابر القريبة من المنزل، حيث شجرة صنوبر ضخمة تقف وحيدة شامخة. يفجر كونور غضبه بالرسم. وفجأة، عند حلول الساعة 12:07 تتحرك الأقلام، وتهتز الغرفة وتتحول الشجرة إلى وحش (صوت ليام نيسن) ينزع الأغصان والأوراق عنه، ليمشي بجذوعه قاصداً نافذة كونور. برع المخرج الإسباني جي إيه بايونا في مشهد تحويل الشجرة إلى وحش، حيث نرى الجذوع تتحول إلى يدين وساقين، والوجه الضخم يحمل خلف تقاسيمه الخشبية النار واللين، أي الغضب والحنان ليستمد منهما الطفل طاقته حين تتأجج النار في قلبه فتدفعه للتعبير عن ذاته، كما تحتضنه وتعطف عليه.

يأتي الوحش ليحكي لكونور ثلاث قصص شرط أن يحكي بعدها الصغير القصة الرابعة. يرفض هذا الأخير «تلك التفاهات» لأنه لا يحتاج في هذا الوقت العصيب إلى قصص، بل إلى حل لمشكلته، فهو يريد انتشال أمه قبل فوات الأوان. ويصر الوحش ويحكي قصصه في ثلاث ليال، يجسدها المخرج بالكرتون، فيمزج بين ثلاثة فنون سينمائية، واقعية وكرتونية وفانتازيا خيالية تعتمد على التقنيات الحديثة في تحويل الشجرة إلى وحش يمشي ويتحرك ويتفاعل مع الطفل. القصة الأولى عن ملك يفقد أبناءه الثلاثة ويبقى له ابن وحيد، يتزوج مرة ثانية ثم يموت، فيستلم الشاب الحكم ويوهم السكان بأن زوجة أبيه مجرمة قاتلة. والثانية عن قس متدين يرفض تقديم العون لصيدلاني يحاول مساعدة أبناء البلدة بتقديم الأدوية التي يصنعها من الأعشاب والطبيعة، والثالثة عن رجل خفي يستدعي وحشاً. تلك القصص لم تكن وهمية بل معنوية، يتعلم منها الفتى عدم الحكم على المظاهر، وأن الأشرار ليسوا أشراراً طوال الوقت، ولا الأخيار كذلك. القصة الثالثة تدفع كونور إلى الخروج من شرنقته ليواجه الواقع بجرأة. هو الطفل المتعرض يومياً للتنمر في المدرسة، الخانع الجبان، ينقلب بفضل الشجاعة التي يستمدها من الوحش، ليرفض تسميته ب «الخفي» منقضاً على زميله بالضرب المبرح. وأما الرابعة، فهي قصة كون الحقيقية التي عليه أن ينهيها بنفسه.

الفيلم يقدم التخبط الذي يعيشه الفتى، فهو والوحش واحد، في الظاهر هو ضعيف صامت هادئ، بينما في داخله وحش ينتظر الوقت المناسب ليخرج. والوحش ليس شريراً، بل كتلة مشاعر من الغضب والرفض لكل ما يتعرض له كون ويصعب عليه مواجهته أو تقبله. والمخرج عرف كيف يقدم تلك الأبعاد، فهو يجعل من قبضة الوحش خلفية تتحرك بنفس حركة قبضة الفتى، وحين يقوم بتدمير الأثاث التراثي القديم في شقة جدته، يكون توأماً للوحش في الحركة. وفي مشهد آخر، تصير جذوع الشجرة (الوحش) حضناً دافئاً يحمل الطفل فيستكين وينام.

لويس ماكدوغال هو بطل رئيسي وحقيقي، والنجوم يدورون في فلكه. يتعرض هذا الممثل الصغير لضغوط نفسية صعبة، ويكشف عن طاقات عالية تؤهله لتحمل مسؤولية فيلم كامل. فيليسيتي جونز جيدة بدور الأم المريضة، والده توبي كيبيل قليل الظهور، وجدته سيغورني ويفر كعادتها جبارة في أدوار تعكس جفافاً في العواطف، وحناناً مبطناً، وطبعاً النجم ليام نيسن يجسد بصوته الحالات الانفعالية وهو موجود في معظم المشاهد.
رغم الحزن الكبير فيه، وصعوبة ارتقاء الصغار إلى فهم معانيه، إلا أنه من الأفلام القوية المحبذ مشاهدتها عائلياً.

ديكور وأجواء تزيد القيود

الديكور الذي يوحي بأننا خارج عصرنا الحالي؛ حيث لم نر أي هاتف محمول، وبيت الجدة الذي وصفه كون «بالمتحف القديم»، وملامح الجدة الصارمة، وأجواء المطر والغيوم والهواء والمقابر والساعة التي تحدد وقت اللقاء مع الوحش وتغير الأحداث، والمدرسة التي لا نرى فيها وجوه الأساتذة، وبالكاد نرى طلاباً غير كونور وزملائه الثلاثة الذين يضطهدونه ويعذبونه يومياً. حتى أحلام الطفل كوابيس، تعكس واقعه السوداوي. أجواء أراد منها المخرج والكاتب أن تزيد من جرعة تكبيل الطفل داخل قيود روتينية تقليدية؛ حيث لم نره يلعب ويضحك كالأطفال العادين، إلا في مشهد واحد، حين جاء والده ليقضي معه يومين.

نوافذ الأمل والخيال

مشهد قدوم الوحش إلى كونور عبر نافذة غرفته، يذكرنا بالكثير من أفلام الفانتازيا التي صارت النافذة بطلة أساسية فيها، يطل من خلالها الأطفال على عالمهم الخاص المملوء بالخيال، وتأتي الوحوش متسللة منها إلى غرف نومهم، تماماً كما رأيناها في أفلام الكرتون والأساطير القديمة، لكنها كانت نوافذ الأمل التي تطل منها الجميلة على أميرها. ومن الأفلام التي شاهدناها العام الماضي، «بي أف جي» للمخرج ستيفن سبيلبرج عن رواية رولد دال، و«المدرسة المتوسطة: أسوأ سنة في عمري» عن رواية كتبها جيمس باترسون وكريس تيبيتس، أخرجه ستيف كار. في «بي أف جي» يأتي الوحش عبر النافذة أيضاً، بينما يأتي «ليو» ليرى «رايف» متسللاً عبر نافذة غرفته. إنها نوافذ الأمل والخيال التي يطل من خلالها الأطفال إلى عالم يمدهم بالقوة والراحة النفسية.

مواجهة مرّة بلا معجزات

يتقاطع «نداء الوحش» مع الكثير من الأفلام ولعل أقربها، «المدرسة المتوسطة: أسوأ سنة في عمري»؛ حيث يعيش المراهق رايف نفس معاناة كونور، في صراعه النفسي مع الواقع. كلاهما يلجأ إلى الرسم ليعبر عن مشاعره، ويحاور نفسه، بينما هو قليل الكلام في الواقع، منزو في غرفته معظم الوقت، لا أصدقاء له في المدرسة، ويتحول إلى مشاغب يدمر ويخالف القوانين. الفن ملجأ الأطفال وكامن أسرارهم ومفتاح علاجهم أو طبيبهم النفسي. رايف يعيش مع شخصية ليو الوهمية، بينما يعيش كون مع الشجرة الوحش، وكلاهما يتمكنان من مواجهة الواقع بفضل خيالهما. والأهم، أن رايف وكون يتألمان من «مرض السرطان» الذي يحرم الأول من أخيه ليو، بينما يحرم الثاني من والدته. إنها دراما الواقع التي صارت تقرّب الأطفال من الحقائق، فصار السرطان أحد العناصر الموجودة في أفلامهم، والدراما أكثر واقعية بمواجهة المأساة بلا معجزات، فيكون الموت بداية لفيلم أو نهاية لآخر.

[email protected]

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"