حرب باردة جديدة !

03:55 صباحا
قراءة 4 دقائق
جميل مطر

هل يمكن لدولة عظمى تعاني مشكلات عويصة الانهماك في حرب باردة ضد دولة منافسة تسعى بكل طاقتها للصعود إلى مرتبة الدولة العظمى؟

الفوضى ضاربة أطنابها في العلاقات الدولية. لا خلاف كبير بين المتخصصين حول صحة أو دقة هذا البيان أو أسباب الفوضى. يتهمون مثلاً رجلاً بعينه يدير هذه الفوضى من مكتبه بالبيت الأبيض في واشنطن، اتهام في رأيي يحوى إطلاقه بعض الظلم. هناك من المؤشرات ما يدل على أن الفوضى كانت قد عمت قبل أن يصل الرجل إلى المكتب البيضاوي. وفي رأيي أيضا، أن دونالد ترامب ثمرة هذه الفوضى، وهو مدين لها بفوزه فى انتخابات الرئاسة لولايته الأولى.

سمعت كذلك، أو لعلني قرأت، أن مهنة الدبلوماسية تدهورت فتسببت في هذه الفوضى. نذكر لها أنها كانت على مدى تاريخ العلاقات بين الأباطرة والملوك صاحبة فضل عظيم على مراحل استقرار هذه العلاقات ووسيلة ناجعة وقليلة التكلفة لحماية الأمن والسلم. عرفنا مدى إبداعها خلال مرحلة توازن القوى في العلاقات الأوروبية في القرن التاسع عشر، وعشنا بعد الحرب العالمية الثانية في ظل ما أنتجته الدبلوماسية من مؤسسات دولية وأحلاف ومنظمات إقليمية، جميعها كنظام دولي جديد أسهم في منع نشوب حرب عالمية ثالثة. يدافع دبلوماسيون عن مهنتهم وأنفسهم بتحميل الطبقة السياسية التي وصلت خلال إرهاصات العولمة إلى الحكم في كثير من دول العالم خلال النصف الثاني من القرن العشرين، مسؤولية تدهور مكانة الدبلوماسية في جداول العمل الدولي استعداداً للسلم أو الحرب. قيل أيضاً بين كثير مما قيل ويقال: إن للدور المتزايد الذي صارت تلعبه أجهزة الإعلام والاستخبارات في صنع السياسة الخارجية وبالأكثر في تنفيذها نصيباً كبيراً من مسؤولية الانحدار الذي أصاب هذه المهنة.

أعتقد أن المرحلة الانتقالية الراهنة في النظام الدولي جاءت أكثر تعقيداً مما خطط له أو تصور أهل الحل والعقد في مضمار السباق بين الدول الكبرى. لم يتوقع المحافظون الجدد في الولايات المتحدة أن تكون حربهم في العراق نفير ونداء الانسحاب من موقع القيادة في النظام الدولي، ونهاية مبكرة لعهد القطبية الأحادية وهيمنة أمريكا. لم نتوقع، في العلاقات الدولية، وهي حالة الانتقال من نظام دولي إلى نظام آخر وفي هذه الحالة تحديداً من القطبية الثنائية إلى القطبية الأحادية. استمتعنا ولو لفترة قصيرة بوضع سيناريوهات مستقبلية كان أحدها، وأهمها على الإطلاق، صعود الصين. لم يكن الصعود الصيني في حد ذاته يمثل لنا من الناحية النظرية معضلة كبيرة، إذ كان مقدراً أن يحدث هذا الصعود أو الجزء الغالب منه متزامناً مع تراجع القوة الروسية وانسحابها من مساحات نفوذ هائلة. وبالتالي يمكن للصين أن تعد نفسها لتملأ مساحة تكاد تكون مقررة، مطمئنة إلى اطمئنان أمريكي ونوايا طيبة لدى الطرفين.

أحياناً أستعيد بالذاكرة تلك المرحلة الغنية بالسيناريوهات والنظريات وأطرح مقابلها واقع الحال على مسرح العلاقات الدولية الراهنة، وخاصة سباقات القمة. يفاجئني على الفور تطوران جرى استبعادهما في ذلك الحين من كثير من السيناريوهات المستقبلية. الأول، وهو في حد ذاته تطور مركب، وأعني به احتمال خروج الصين عن التزامها التدرج والبطء في الصعود نحو موقع متميز في القمة الدولية، وفي الوقت نفسه وربما بسببه، قد ينشأ في الولايات المتحدة تيار قوي ومتشدد مناهض للصعود الصيني.

جيفري فيلتمان، بعد أن ترك منصبه في جهاز الأمم المتحدة كمسؤول أممي مهيمن على قطاع الشؤون السياسية لمدة سبع سنوات أو أكثر، خضعت له وقتذاك قضايا حفظ السلام وتسوية النزاعات والعقوبات، كتب قبل أيام عن الصين يقول: إن نفوذها ازداد داخل الأمم المتحدة وهو أمر كان، حسب رأيه، متوقعاً إذا وضعنا في الاعتبار أن الصين صارت في سنوات قليلة الدولة التي تلي الولايات المتحدة مباشرة في ترتيب الأنصبة في موازنة المنظمة الدولية (بلغ نصيب كل من أمريكا والصين في موازنة الأمن والسلم 27% و15% على التوالي).

أما التطور الثاني الذي، كما أذكر، لم يحصل على اهتمام مهندسي سيناريوهات المرحلة الانتقالية من نظام القطبية الأحادية إلى نظام آخر، فكان «انحدار أمريكا». لم نناقش طويلاً أو بما تستحق حقيقة وعواقب تزامن الزيادات المتتالية في الإنفاق على التسلح والحروب الخارجية مع إهمال مشاريع البنية التحتية.

كتبت روبين رايت، كبيرة الكتّاب في مجلة «النيويوركر»، مقالاً مهماً نشرته قبل أسبوعين. روبين ليست غريبة عني. تعرفت إليها في جولة صحفية بتونس ثم في لبنان خلال الحرب الأهلية ولفتت اهتمامي بكفاءتها المهنية وقدراتها التحليلية ومعلوماتها عن الشرق الأوسط. تعترف روبين في مقالها المنشور تحت عنوان هل أمريكا أسطورة؟، بأن أمريكا أمة يأكلها الغضب الذي يزداد مع كل يوم يمر فيقربها إلى يوم الانتخابات الرئاسية. ثم راحت روبين رايت تنقل عن المؤرخ دافيد بلايت التذكير بحالات انفصالية عديدة على نمط البريكست هددت الوحدة الأمريكية، واحدة منها في تكساس وأخرى في كاليفورنيا وثالثة في فيرمونت وفي ألاسكا وهاواي.

أتساءل إن كان يمكن لدولة عظمى وهي على هذه الحال وتعاني مشكلات هكذا عويصة، الانهماك في الاستعداد لشن حرب باردة ضد دولة منافسة تسعى بكل طاقتها للصعود إلى مرتبة الدولة العظمى. هناك طبعاً من يعتقد أنه بسبب هذه الحال وهذه المشكلات قد تجد الطبقة الحاكمة أن الدخول مبكراً في حرب باردة مع الدولة المنافسة يوفر عليها تكلفة أعلى إن هي سكتت عن استمرار صعودها.

عن الكاتب

دبلوماسي مصري سابق وكاتب متخصص بقضايا العلاقات الدولية. اشترك في تأسيس مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بمؤسسة الأهرام. وأنشأ في القاهرة المركز العربي لبحوث التنمية والمستقبل. عضو في مجلس تحرير جريدة الشروق المصرية ومشرف على صفحة الرأي

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"