عام 2021

23:34 مساء
قراءة 4 دقائق

جميل مطر

عام جديد يقترب بسرعة مذهلة، السرعة نفسها التي تحركت بها وفاجأتنا كل أحداث عام 2020. لن يختلف عن هذه الأحداث وصول عام 2021. هو حدث من هذه الأحداث، هو صنيعتها بامتياز. أكاد أقرر من الآن، أنه سيدخل التاريخ باعتباره أحد أهم «التواريخ» في حياة مصر المعاصرة. إنه التاريخ الذي سيشهد اجتماع أهم وأخطر مكونات ما سيؤرخ له تحت عنوان الوضع المصري. هذا الوضع الذي احتشد ليشكل أكبر عدد من تحديات الاستمرار في حياة أمة شهدت خلال مسيرتها المعقدة، على طريق الصعود، العديد من الإنجازات والإخفاقات.

بلا جدال، أو ضمن جدال معقول ومبرر، أقرر أن ولاية الرئيس دونالد ترامب  هذه الخلفية الفولاذية التي ندخل في ظلها إلى مستقبل يبدو من الآن غائماً، بكثرة أحداثه وتداخل أسبابه  قد شقت في قشرة الكون الجيوسياسي شقوقاً سنحتاج إلى سنوات من العمل الشاق والصبر العتيد حتى نتعرف إلى أعماقها ومنحنياتها قبل أن نجرب العيش فيها. أكاد لا أرى قضية لنا فيها نصيب إلا ومسها الرئيس ترامب بعصاه السحرية فتغير شكلها، وفي أحسن الأحوال تغيرت مساراتها، فتجدد إلى حين أمل الحل أو ابتعد مؤقتاً شبح اليأس.

نقترب بسرعة كما أعلنت، من نهاية عهد أمريكي وتوازنات للقوى الدولية لم تفصح بعد عن مختلف أبعادها. نقترب أيضاً بنفس السرعة من نتائج مبكرة لأحداث بدأت تتبلور منذ شهور. أقول بوضوح يرفض الشك، إن بعض هذه الأحداث اجتمعت وإن لم تتكامل بعد، في شكل تطور ثوري في الإقليم الذي ننتمي إليه، لنكتشف أننا ربما خرجنا من نظام إقليمي عربي وها نحن نطرق  أو يطرق لنا  على أبواب نظام إقليمي آخر يتشكل في غيابنا ولم نستعد له. الغريب فيه وفينا إصرارنا الدائم والثابت على أننا لم ندع إلى قيامه أو نضغط لنشأته. نزعم ألا دور لنا في نشأته، بينما التاريخ يذكرنا وبكل العنف، الشرير أحياناً، أننا كنا في صف الذين مهدوا لفكرته قبل أربعين عاماً أو ما يزيد. ها هو الآن  أقصد التاريخ  ينصحنا بكل خبث، أن نلتحق فوراً وإلا وصلنا بعد فوات الأوان، فلا نجد لنا مكاناً في الصفوف المحترمة.

أشفق على مسؤولين ورثوا هذا الجزء أو ذاك من الوضع المصري وفوقه قضية سد النهضة. أحتار أحياناً، ويحتار معي بعض أبناء جيلي، عندما نجتهد لننسى أننا لم نعد مسؤولين، فنتسلى في صمت وهدوء بترتيب أجزاء هذا الوضع. نرتبه ثم نقضي شهوراً نلاحظ ونراقب ونعود لإعادة ترتيب الأجزاء على ضوء ما تغير وفق موازين شتى.

ندرس سلوك الحلفاء التقليديين، وحلفاء المصالح المستجدة، وحلفاء العقيدة الدينية أو من تبقى منهم، والحلفاء الأعداء ومن انضم إليهم، ندرس أيضاً خبرات الفريق المصري وما استجد فيها أو انحدر. 

ونزن حجم الإمكانات المتاحة لخدمة مصالحنا وقدراتنا على الصمود، ونقرأ بالتبادل ما يكتبه الزملاء الأجانب، كل في جانب تخصصه، ونكلف الشبان المتحمسين للمشاركة بالبحث والرأي. هكذا نأمل أن نصل إلى وضع يمكن عنده أن نتفهم حال القضية، ونقرر في أي اتجاه ستتوجه خلال الشهور التالية.

يبقى دائماً كما في أي قضية، وضعها في الإطار الأكبر، حيث تجد الترابط اللازم ببقية قضايا المعضلة المصرية. أذكر مثلاً وقتاً ضاع في جهد بذل أثناء محاولة فهم الأسباب التي دعت الرئيس ترامب لإجراء اتصاله التلفوني برئيس وزراء إثيوبيا قبل يومين لإبلاغه، رسالة تحمل إنذاراً بصيغة رسائل الحرب. لم يرق الشك إلى يقين، فالرئيس المنشغل للغاية بظروف إعادة انتخابه لن يكون بحال من الأحوال، جاداً في رسالته تماماً .

الخلاصة أن ترامب بتوجيهه هذا الإنذار لم يفعل سوى أن زاد قضية النهضة تعقيداً، وزاد الوضع المصري تأزماً، وزاد الأوجاع في القارة الإفريقية وجعاً. ألم يفعل الشيء نفسه مع كوريا الشمالية، ولم يسمع نصيحة الصينيين فسجل لأمريكا مهزلة تاريخية؟ 

لم ينتقل لي قلق المشفقين على مصير قناة السويس كمجرى اقتصادي سريع للملاحة العالمية وفائدتها للتعاون بين الشرق والغرب. أتصور أنه سيكون من الممكن وبالسرعة الممكنة، تطوير البنية التحتية لإقليم البحر الأحمر، بحيث تستعيد المدن المقامة على الشاطئ الغربي للبحر سمعتها التاريخية كمرافئ خدمت طرق التجارة، أليس هذا ما فعلته الصين حين طرحت ونفذت مبادرة الحزام وطريق الحرير على طرق ومرافئ أحد أقدم طرق التجارة في التاريخ. نستطيع بالتأكيد لو أطلقنا للأفكار العنان، وسمحنا للابتكار بالانطلاق. 

الوضع المصري حقيقة واقعة، لو فاجأنا بأجزائه مجتمعة، وقصرنا في تفكيك أجزائه عن بعضها بعضاً. أهملنا في مجالات حتى حاصرونا من كافة الجهات باتفاقات تحد من حريتنا في الحركة. تقلصت امتيازات وانكمشت إمكانات ورثناها من علاقات دم ومصاهرة وقرابات وثقافة وعقيدة. هناك جهد يبذل وبعضه محمود، لكن الخريطة الجديدة الجاري رسمها للإقليم ومكانتنا ومكاننا فيه، لا تعجبني. لا تعجبني لأنني لم أشارك في رسمها برضى أو بإرادتي الحرة، وعلى كل حال لم أدع لأشارك، وهي لا تمثلني ولا أرتاح لما تمثله. بصراحة هي تخنقني. 2021 يتحدانا من بعيد.

عن الكاتب

دبلوماسي مصري سابق وكاتب متخصص بقضايا العلاقات الدولية. اشترك في تأسيس مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بمؤسسة الأهرام. وأنشأ في القاهرة المركز العربي لبحوث التنمية والمستقبل. عضو في مجلس تحرير جريدة الشروق المصرية ومشرف على صفحة الرأي

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"