محاذير تغاير آليات وأهداف خفض الانبعاثات

22:01 مساء
قراءة 5 دقائق
د.محمد الصياد
د.محمد الصياد

د. محمد الصياد *

«صافي صفر انبعاثات»؛ «محايدة الكربون»؛ «الكربون بالسالب»؛ «حياد المناخ»؛ «كربون منخفض» – هذا المصطلح يعني أن المؤسسة/ المبنى، ذو كفاءة عالية في استخدام الطاقة، ويتم تشغيله جزئياً من مصادر الطاقة المتجددة، سواء في الموقع أو من خارج الموقع - «كربون بالسالب» أو «الإيجابية المناخية»، وهما مصطلحان لهما معنى واحد، وهو أن نشاط المنشأة أو الشركة يتجاوز تحقيقها لصافي انبعاثات كربونية صفرية إلى خلق فائدة بيئية عن طريق إزالة ثاني أكسيد الكربون الإضافي من الغلاف الجوي؛ «كربون بالموجب»، وهو مصطلح يعني أن المبنى يتخطى متطلب تحقيق الصفر الكربوني، إلى إنتاج طاقة أكثر من حاجته ويعيد الفائض إلى الشبكة العامة...إلى آخره من المصطلحات التي يشيع استخدامها هذه الأيام سواءً من جانب الدول الأعضاء في اتفاق باريس للمناخ، أو من جانب الشركات العالمية.

أمام هذه الفسيفساء من مصطلحات التخفيف، كيف يمكن للحكومات وللمؤسسات والأفراد المشتغلين بالشأن المناخي أن يفرقوا بينها أو مقارنتها ؟، وهل هذا التغاير يقتصر فقط على اختلاف التسميات والمصطلحات من دون المساس بالهدف الجوهري وهو التخفيف، أي خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري الستة المنصوص عليها في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية لتغير المناخ، أم أنها مصطلحات لكل منها مدلوله التطبيقي المختلف عن الآخر؟ وإذا كان الأمر كذلك، وهو ليس كذلك بالضرورة، لماذا اللجوء لمثل هذه التعابير المربكة المنطوية على نوع من أنواع «الغموض البديع»، الذي قد يفيد التضليل، وذلك على النقيض من كل تأكيدات اتفاق باريس للمناخ، في معظم نصوص مواده، على الشفافية والإفصاح الخالي من اللبس؟ خذ مثلاً مصطلح «كربون بالإيجاب»، وهو مصطلح آخر قيد التداول، فالمفهوم الدال عليه، مربك، لأن المؤسسات تداوره تناوباً مع مصطلح «كربون بالسالب»، للدلالة على الهدف نفسه المبتغَى. وهو يُستخدم، في الحقيقة، لغايات تسويقية ليس إلا. وإلى جانب هذا المصطلح، هناك العديد من المصطلحات الأخرى المستخدمة التي تتعلق بصافي صفر انبعاثات ولكنها تعني شيئاً مختلفاً تماماً. وقد أدى هذا إلى الكثير من الإرباك لأولئك الذين ليسوا على دراية بجميع الاختلافات والمفاهيم الدقيقة لكل منها. وثبت من الناحية العملية، أنها مربكة ومثيرة للانقسام أيضاً بين أطراف اتفاق باريس فيما يتعلق بالفهم والتفسير والتأويل المختلِف لمدلولاتها.

يقول البعض إن كل واحد من هذه المصطلحات له بصمته الخاصة في رحلة الاستدامة الطويلة. فقد يكون الهدف قصير المدى، وهو تحقيق «كربون منخفض» في البداية؛ ومن ثم قد يتطور الأمر إلى هدف ذي مدى متوسط، وهو تحقيق صافي صفر للطاقة؛ أو كما يسمى أحيانا «مبنى ذو طاقة صفرية صافية» (وهو مبنى ذو استهلاك طاقة صفرية صافية، أي أن إجمالي كمية الطاقة المستخدمة من قبل المبنى على أساس سنوي يساوي إجمالي كمية الطاقة المتجددة التي يتم توليدها في الموقع أو خارجه باستخدام التكنولوجيا، مثل المضخات الحرارية، والنوافذ عالية الكفاءة، والعزل، وطاقة الألواح الشمسية)؛ ويمكن أيضاً وضع هدف «تحييد الكربون»؛ ومن ثم قد تكون الاستراتيجية طويلة المدى، تستهدف العمل على تحقيق صافي الانبعاثات الصفرية أو «الكربون بالإيجاب».

لذا، لربما يكون القول الفصل في هذه «الكومة» المربكة من المصطلحات، هو ما ذهبت إليه الحكومات في تركيزها بشكل كبير، على هدف تحقيق صافي انبعاثات صفرية بحلول عام 2050، بما يعني تحقيق توازن بين غازات الاحتباس الحراري التي تحدث بشكل طبيعي مقابل غازات الدفيئة الناتجة عن النشاط البشري والصناعي. لكن، وبما أن الأمر يتجاوز هذا الهدف، فلسوف يتعين وجود زخم يتجاوز «صافي الصفر»؛ ما يعني في النهاية، تحقيق نتائج إيجابية للكربون أو نتائج إيجابية للمناخ في جميع المجالات. وهي، أي الحكومات، إذ تفعل ذلك، فإنما تستند إلى ما جرى الاتفاق عليه في «كتاب القواعد»، الذي توصلت إليه أطراف التفاوض في مؤتمر الأطراف ال 24 الذي عقد في مدينة كاتوفيتسه البولندية بعد مفاوضات ماراثونية استمرت زهاء أسبوعين (من 3 - 14 ديسمبر 2018)، بل بعد ثلاث سنوات من المفاوضات الشاقة؛ حيث أصبح بمثابة الدليل التشغيلي اللازم لتنفيذ اتفاق باريس لتغير المناخ منذ دخول الأخير حيز التنفيذ في الأول من يناير عام 2020، حيث صار لزاماً على جميع الدول القيام بإجراءات عملية لخفض انبعاثاتها والإبلاغ عنها كل عامين اعتباراً من عام 2024.

يحتوي كتاب القواعد «Rule Book» (الذي هو، للتأكيد، بمثابة الدليل الإرشادي، أو البروتوكول – كما كان بروتوكول كيوتو المنتهية صلاحيته في 2012) الخاص بتطبيق اتفاق باريس لتغير المناخ، على قواعد وإرشادات توضح بالتفصيل كيفية تطبيق اتفاق باريس عمليا، والذي حدد، إطارياً، ما يتعين على الدول استهدافه. وهو يتضمن القواعد والإرشادات حول كيفية قيام الحكومات الوطنية بتطوير وإبلاغ خطط العمل المناخية الخاصة بها (المعروفة باسم «المساهمات الوطنية المحددة– NDCs). ويشرح أيضاً كيف يجب على البلدان مراجعة التقدم الذي تحرزه، بشكل فردي وجماعي، بهدف تعظيم المساهمات المحددة وطنياً كل خمس سنوات كي يتم تحقيق الأهداف طويلة الأجل لاتفاق باريس. وهو يتضمن ما يمكن أن نطلق عليه خريطة طريق يجب أن تسلكها الدول الأعضاء للوصول إلى الهدف النهائي للمادة الثانية من اتفاق باريس، وذلك على النحو التالي: في سنة 2020 (سنة بدء سريان مفعول اتفاق باريس)، يتعين على الدول الأعضاء أن ترسل لسكرتارية الاتفاقية، نسخة جديدة أو محدَّثة من مساهمتها الوطنية المحددة (NDC)؛ واعتباراً من عام 2023، وبواقع مرة كل 5 سنوات، تُجرى عملية جرد عالمية لإجمالي انبعاثات غازات الاحتباس الحراري؛ وفي عام 2025، تُرسل نسخة جديدة من التزاماتها بالتخفيف (أي «مساهمتها الوطنية المحددة»)؛ وفي عام 2028، تُجرى عملية جرد عالمية لإجمالي انبعاثات غازات الاحتباس الحراري؛ وفي عام 2030، نسخة جديدة من «مساهمتها الوطنية المحددة»؛ وفي عام 2050، تحقيق صافي صفر انبعاثات ومعه «المرونة المناخية» (المرونة المناخية تعني القدرة على توقع الأحداث أو الاتجاهات أو الاضطرابات المتعلقة بالمناخ والاستعداد لها والاستجابة لها، بما يشمل تحسين القدرة على الصمود في وجه تغير المناخ، وتقييم مخاطره المحتملة، واتخاذ خطوات للتعامل بشكل أفضل مع هذه المخاطر).

ما الذي يدلل عليه ذلك؟ إنه يدلل على صعوبة تحقيق هدف المادة الثانية في اتفاق باريس لتغير المناخ، المتمثل في عدم تجاوز ارتفاع درجات الحرارة لحاجز درجتين مئويتين بنهاية القرن. فالجميع مستعد، على الأقل لفظياً، وخطياً أيضاً، للمشاركة الفاعلة في جهود خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري الستة، وتجنب سيناريو الدرجتين المئويتين. لكن على أرض الواقع، فإن الجميع يحاول أن يفعل ذلك بأقل تكلفة مالية واقتصادية وتنموية، وهو ما تنتج عنه مقاربات توفيقية بين هذا الهدف وبين الاستحقاقات التنموية، الاقتصادية والاجتماعية.

* كاتب بحريني

قيَم هذا المقال
0

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/y59oc369