التأثير الإعلامي لا يتم بسطر

00:52 صباحا
قراءة 3 دقائق

مهرة سعيد المهيري

دور الإعلام في أي مجتمع بشري دور عظيم وخطير، وهو في المجتمعات المعاصرة أشد أهمية وأكبر خطراً، حيث تتعدد الاهتمامات وتتناقض الميول وتختلف الاتجاهات، وحيث يقوم الإعلام بمهمة البناء ومهمة الحماية والوقاية والتصدي للغزو الفكري الخارجي في آن واحد. من هذا المنطلق يتوجب على ممارسي مهنة الإعلام أن يكونوا على كفاءة عالية، والأهم من ذلك أن يكونوا أصحاب اختصاص تعلموا وتدربوا على العمل الإعلامي، فالإعلامي المهني الذي يعي أن الإعلام مهنة ذات رسالة، يمنحه هذا الوعي رؤية واضحة، وقدرة دائمة على تطوير ذاته وتنمية إمكاناته.

 إن الإعلام إذا استكمل مقوماته ووسائله الصحيحة، وأُحسن استخدامه وتوجيهه في مجتمع ما، كان قوة دافعة كبرى للبناء والتطور والنهوض بالمجتمع. وعلى الجانب الآخر، فإن الإعلام الذي يفشل في أداء دوره وتحقيق رسالته في المجتمع لا يقف أثره عند حد الفشل الذاتي، وإنما يتعدى ذلك إلى إحداث آثار سيئة في المجتمع.

 وغاية القول، إن الإعلام سلاح ذو حدين: فإذا أُحسن استخدامه وتوجيهه كان ركيزة تطور يجد فيها أفراد المجتمع ينبوع المعارف ومصدر التوجيه والإرشاد والتوعية في ما يعنّ لهم من مشكلات، ويجدون فيه العون على تربية أبنائهم وإسعاد أسرهم وتحقيق انتمائهم إلى مجتمعهم. وإذا لم يحسن استخدامه يتحول إلى أداة أكثر خطورة وقدرة على إحداث التدمير في المجتمعات بما يوظف فيه من برامج ومشاهد مذمومة تدعو إلى العنف والدم والتشدد الديني، والسب والقذف والتحرش والإباحية وغيرها من أساليب لا تنتمي إلى القيم السليمة لمجتمعاتنا، وقد يدعو صحفي أو فنان أو حتى داعية ديني إليها، كلهم يمتهنون الأذى لتحقيق غاياتهم، وجميعها أفكار واحدة هدامة، لا فرق بين حامليها، بسبب ضررها على القيم الاجتماعية والسياسية. فهلْ يدركُ فعلاً إعلاميّو اليوم المسؤولية المنوطة بهم؟

 إن الإعلام ليس مهنة من لا مهنة له. كمواطنين نأمل بوجود إعلاميين يسعون لتقديم محتوى فني مناسب، يليق بتحديات المرحلة التي نعيشها، يقفون مسؤولين أمام التحدّيات متبنين صورة إيجابية لحركة التنمية مع الاعتراف الكامل بالمشاكل أو الإخفاقات.

 ونتمنى إعلاماً لا يعيش خارج العصر سواء بالأسلوب أو الأدوات. فالصياغات الصحفية تتغير وطريقة تقديم الخبر والمعلومة في تطور وهذا يعني أن حتى الصحفيين من أصحاب الخبرة عليهم أن يتدربوا على وسائل العصر الحديث. ولا أقصد هنا فقط أن يستعينوا بأدوات تقنية للإنتاج أو للانتشار، بل تغيير طريقة التفكير والنظر للإعلام ومهمته. والشيء نفسه يقال عن الأدوات. الاستوديوهات البراقة واللافتة جميلة ومبهرة ولكن سرعان ما نعتاد على شكلها. نحن لا نشاهد نشرة الأخبار أو برنامجاً حوارياً لأن استوديو البرنامج جميل، بل نستمع إلى ما يقال من كلام فيه وهل هو قادر على وصف المشهد السياسي مثلاً في قضية ما.

 المحتوى الصحفي هو الأساس لمشهد إعلامي متين. ولهذا فإن على صحفيينا وإعلاميينا أن يكونوا قادرين على إنتاج وتطوير المحتوى، سواء أكان مقالة أو تحقيقاً صحفياً أو مراسلة بصرية بالفيديو أو قيادة حوار بين متناقشين في قضية ما. هنا علينا أن نسأل بشكل دوري: هل هذا ما يحدث في إعلامنا؟

 استسهل بعض إعلاميينا «صحافة التغريدات». كيف يمكن أن ننقل الأفكار والمواقف والأخبار بتغريدات؟ هذه ربما مهمة السياسيين، لكن الإعلامي في قلب تفسير الخبر وتداعياته. سأرسل مقالتي هذه عبر تويتر بعد أن يتم نشرها ولكن ما يهم فيها هو الرابط الذي سيأخذ القارئ إلى المقالة نفسها وليس إلى سطر أو سطرين من العنوان. التأثير الإعلامي لا يتم بسطر أو سطرين.

 دول كثيرة وفرت الإمكانيات للإعلام الموجّه للقارئ المحلي والعربي والأجنبي. وأعتقد أن الإعلام في الإمارات كان دائماً محل اهتمام القيادة وتم الإنفاق عليه بسخاء، وشهد قفزات في التطور في عدة نواح، لكنه مثل أي شيء في هذا العصر يحتاج إلى أن يتطور بشكل مواكب للتحديات؛ تحديات التنمية والمشهد الوطني وموقع الإمارات في إقليمها والعالم العربي والعالم، وتحديات الوعي بمتغيرات المنطقة والسياسة والمخاطر التي تحيط بنا، من تهديدات فكرية وعسكرية إلى تلك الصحية التي يحملها فيروس كورونا.

التقييمات
0

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/yxz8ubt4