(فيديو).. روسيا كإمبراطورية بين الماضي والحاضر

تحولات أشكال الحكم فيها خلال ألف عام
23:32 مساء
ترجمة وعرض:
نضال إبراهيم
قراءة 8 دقائق
1
1
1

عن المؤلف

الصورة
1
كيس بوتربلويم
كيس بوتربلويم، أستاذ في جامعة جنوب فلوريدا ومؤلف أحد عشر كتاباً، من ضمنهم «حياة وأوقات أندريه زادنوف»، و«محدّث روسيا: أندريه فينيوس (1641-1716)»

شهدت الجغرافية الروسية خلال ألف عام صخباً سياسياً كبيراً، تشكلت فيها إمبراطوريات ودول قوية بأشكال متعددة، ثم انهارت بفعل ظروف مختلفة. يتناول هذا الكتاب التحولات السياسية لأشكال الحكم في روسيا خلال الماضي، وما إذا كان دورها العالمي في الوقت الراهن يجعل منها إمبراطورية.

يغطي هذا الكتاب التاريخ الروسي الصاخب، ويظهر كيف تحولت إمبراطورية القرون الوسطى في روس الكييفية إلى الاتحاد الروسي الحالي. يصف كيس بوتربلوم بوضوح التجسيدات المختلفة لروسيا وينظر في كيفية تطور مفهوم الإمبراطورية من روسيا القيصرية إلى الاتحاد السوفييتي، وكيف ولماذا تستمر حتى اليوم.

ويناقش الكتاب المهندسين الأيديولوجيين لهذه الإمبراطوريات وأفكار قادتها السياسيين من القيصر ولينين وستالين وبوريس يلتسين وصولاً إلى فلاديمير بوتين. وينظر في دور سكان الإمبراطوريات المختلفة، من النبلاء إلى رجال الدين إلى أعضاء الحزب الشيوعي، ويكشف كيف ولماذا التزموا أو آمنوا بالمهمة الإمبراطورية لبلدهم.

الكتاب صادر عن «ريكشن بوكس» باللغة الإنجليزية في 23 ديسمبر 2020 ضمن 256 صفحة، ويتكون من 14 فصلاً.

 التاريخ السياسي

 يبين الكتاب كيفية تحوّل كونفدرالية كييفان روس أو روس الكييفية (988-1240) إلى الاتحاد الروسي الحالي (الذي تأسس عام 1991). يقول الكاتب: «كانت روسيا، في الماضي والحاضر، دولة ذات حجم جغرافي كبير؛ حيث حكمت أو تحكم حكومة ناطقة باللغة السلافية الشرقية عدداً كبيراً من المجتمعات العرقية الثقافية المتنوعة. ومع ذلك، يحدث تشويه بسيط للعملية التاريخية وهي أن الإمبراطورية الروسية كانت موجودة دون انقطاع في شمال أوروبا وشمال آسيا لأكثر من ألف عام. لا يمكن إنكار أن روسيا كانت إمبراطورية لفترات طويلة، لكنها بالتأكيد لم تكن كذلك قبل عام 1500، وليس من الواضح متى أصبحت إمبراطورية بالضبط بعد 1500. انهارت عدة مرات خلال نصف الألفية الأخيرة أيضاً، وعادت بشكل مختلف تماماً بعد كل انهيار».

يبحث الكتاب في نوع الدول السلافية الشرقية التي كانت موجودة في سهل أوروبا الشرقية (وفي نهاية المطاف في شمال آسيا) منذ القرن العاشر وما بعده، ومن هم حاملو السيوف (بالمعنى الحرفي والمجازي)، وعلى أي ركائز ربما تكون قد استقرت هذه السياسات. ويقترح عند أي نقطة يمكننا النظر في هذه الدول كإمبراطوريات، وكذلك ما إذا كان يمكننا إطلاق تسمية الاتحاد الروسي اليوم أم لا بإمبراطورية. ويتأمل أيضاً في الإيمان الراسخ بوجود إمبراطورية أبدية في الذاكرة الجماعية الروسية، حتى لو لم تكن مثل هذه الدولة الأبدية موجودة في تاريخ روسيا أو السلافية الشرقية.

يؤكد المؤلف أنه «يمكن مقارنة روسيا بكل من الإمبراطوريات الأوروبية الحديثة والإمبراطوريات القليلة طويلة الأمد الموجودة داخل حدود أوروبا التي كانت موجودة خلال الألفية الماضية، مثل الإمبراطوريتين الرومانية والبيزنطية، والكومنولث البولندي الليتواني، أو ملكية هابسبورغ في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. في بعض النواحي وفي أوقات معينة، يمكن مقارنتها أيضاً بالإمبراطوريات الآسيوية، مثل إمبراطوريات الهند الحديثة أو الصين. وفي بعض الجوانب، كانت الإمبراطورية الروسية تشبه عدوها اللدود، الإمبراطورية العثمانية».

 تحولات مفصلية

 يبين الكاتب أنه في الواقع، لا يمكن تسمية الحكومة التي حكمت روس من 988 إلى 1240 تقريباً روسية، على الرغم من اسمها المربك «روس»، ولا يمكن أن يطلق عليها إمبراطورية. ومع ذلك، فقد تم وضع بعض الأسس الثقافية، لاسيما من حيث اللغة والدين في هذه الفترة التي عاد إليها سكان موسكو والإمبراطورية الروسية والسوفييتية وما بعد الاتحاد السوفييتي. يقول: «يمكننا تمييز البراعم الأولى لهوية ثقافية روسية مميزة (على عكس السلافية الشرقية) ظهرت بين منتصف القرن الثالث عشر وأواخر القرن الخامس عشر؛ حتى هذه الحقبة، يمكن أيضاً تتبع بعض الأصول الأخرى لإمبراطورية روسية حقيقية. حدث تطور اللغة الروسية من لغة شرقية سلافية مشتركة بعد ذلك، في حين تطورت الديانة الأرثوذكسية الروسية التي كانت مختلفة بطرق عدة عن المسيحية الأرثوذكسية الشرقية السائدة. حدث هذا في مكان لم يكن موسكوفي أو «روسيا» موجودة بعد، لكن في ما كان بدلاً من ذلك منطقة حدودية غربية للإمبراطورية المنغولية. سياسياً، بدأت إمارة موسكو في الظهور كأكبر نظام سياسي تحت الحكم المنغولي لهذه المنطقة الواقعة في أقصى شرق أوروبا. انتزعت نفسها من حضن المغول التتار نحو 1500».

 ويضيف: «منذ ذلك الوقت تقريباً، كانت منطقة كبيرة تسمى موسكوفي أو روسيا (ولثلاثة أرباع قرن، الاتحاد السوفييتي) تحكمها حكومة مركزية مستقلة، إما من موسكو أو من سان بطرسبرغ. منذ نحو 1500 فصاعداً، بدأت شخصياتها القيادية بثقة أكبر في اعتبار بلادهم إمبراطورية، وبحلول نحو 1700 بدأت في قبول هذا الادعاء. كانت هذه الحكومة الإمبراطورية مؤلفة من أشخاص تواصلوا باللغة الروسية، على الرغم من أن نسخة القرن السادس عشر من هذه اللغة كان لها شكل مختلف نوعاً ما عن ذلك الذي تعلمه القائد السوفييتي ليونيد بريجنيف (1906-1982) في أوائل القرن العشرين، أو من الطريقة التي يتحدث بها الرئيس فلاديمير بوتين (مواليد 1952) اليوم. ومن نحو عام 1547 فصاعداً، أصبح من المعتاد أن يطلق الحكام على أنفسهم لقب القيصر، ومن عام 1721 فما بعد، أصبحوا يطلقون على أنفسهم لقب إمبراطور، ولقب سكرتير بعد انقلاب أكتوبر عام 1917. يُطلق على القادة الروس في الوقت الحاضر لقب الرئيس، لكن هل لا يزالون يترأسون إمبراطورية؟ كانت إمبراطورية القيصر إيفان الرابع (1530-1584) مختلفة تماماً عن إمبراطورية القيصر والإمبراطور بطرس الأكبر (1672-1725)، بينما اختلفت إمبراطورية الأخير بشدة عن إمبراطورية الإسكندر الثاني (حكم من 1855 إلى 1881). حتى عاصمتها لم تكن دائماً نفس المدينة. شارك الاتحاد السوفييتي بعد عام 1917 في ميزات قليلة مع أسلافه، في حين أن روسيا الاتحادية بعد عام 1991 تختلف تماماً عن سابقتها».

 الدور الجغرافي

يناقش الفصل الأول معنى «الإمبراطورية» في السياق الروسي، يليه فصل قصير ثانٍ يبحث في مدى إرادة تطوير مثل هذه الإمبراطورية، وتكوينها عن قصد، ويتناول بإيجاز مسألة ما إذا كان مجرد حادث تاريخي أم لا. ويهدف الفصل الثالث دحض بعض الخرافات حول الإمبراطورية الروسية وتوسعها والتي كانت موجودة في العالم الغربي منذ القرن السادس عشر.

 ويصوّر الفصل الرابع كيف أن تاريخ ما قبل موسكو لروسيا وبيلاروسيا وأوكرانيا يجب أن يزيل لدى القراء أي أفكار حول إمبراطورية روسية أبدية كانت موجودة منذ العصور البدائية. لا يمكن القيام بذلك دون بعض التقييم لدور الجغرافيا وكيف اقترح العلماء أنها أثرت على مجرى التاريخ في هذا الجزء من العالم، بسبب التحديات الاستثنائية التي لا يمكن إنكارها.

 يوضح الفصل الخامس أنه عندما أدى انهيار الإمبراطورية البيزنطية قبل الحملة الصليبية الرابعة في أوائل القرن الثالث عشر إلى فقدان «روس» لزعيمها البيزنطي، سرعان ما تم استبداله بأحفاد جنكيز خان (1162-1927). يقول الكاتب: «ترك التراث البيزنطي والمغولي بصمة على الثقافة السياسية في موسكو، على الرغم من أنها مسألة نقاش حول مدى عمق كل منها ومتى، وإلى أي مدى، تلاشى. بسبب الانجراف التدريجي للأجزاء الغربية من «روس» نحو مدار المملكة البولندية والإمارة الليتوانية، بدأ المسار التاريخي للسلاف الشرقيين في التمييز بحلول منتصف القرن الرابع عشر. أدى ذلك إلى تطوير ثلاث لغات وثقافات متميزة، مع كل العواقب التي تلت ذلك، بما في ذلك أحداث عام 2014».

بعد النظر إلى روس والعصر المنغولي، ينتقل المؤلف في الفصل السادس إلى موسكو المستقلة، بقيادة آخر قياصرة أسرة روريك (من بينهم إيفان الرابع وابنه فيودور) الذين حاولوا إنشاء إمبراطورية أرثوذكسية جديدة لتحل مكان الإمبراطورية البائدة نهائياً. على الرغم من أن إيفان الرابع لا يمكن إعفاؤه تماماً من المسؤولية عن الفوضى التي عصفت بإمبراطوريته بعد وفاته بفترة وجيزة، إلا أن زمن الاضطرابات (1598-1613)، المبين في الفصل السابع، ربما كان سبباً رئيسياً في أزمة الخلافة بعد وفاة ابنه فيودور (حكم 1584-98) والظروف القاسية التي فاقمت مناخ روسيا القاسي مع اقتراب القرن السابع عشر، ما أدى إلى سلسلة من المحاصيل الفاشلة والمجاعات والأمراض الوبائية. يعلق الكاتب: «في ظل سلالة مختلفة، تم التغلب بشكل ملحوظ، على دمار الاضطرابات بسرعة نسبياً واستعاد نظام رومانوف الكثير من أراضي إمبراطورية إيفان الرابع المركبة في غضون بضع سنوات بعد عام 1613».

إمبراطورية بين الحقيقة والوهم

تظهر الفصول اللاحقة كيف أن رومانوف يشرف على توسع باتجاه الشرق أدى في وقت قصير إلى إضافة سيبيريا إلى ممتلكات موسكوفي. جاء هذا بثمن باهظ: تسخير الكثير من السكان لخدمة الإمبراطورية كفلاحين مستعبدين، وإنتاج الغذاء للمحاربين الذين يخدمون القيصر. كانت المرحلة الأولى من الامتصاص الروسي لأوكرانيا لا تقل أهمية عن التوسع السيبيري. بدأت في خمسينات القرن الماضي، مدفوعة أكثر من أي شيء آخر بدوافع دينية. بخلاف والده وجده، فقد جعل بطرس الأكبر بلده بوعي في ملكية أوروبية (عاد في هذا الصدد إلى أيام كييفان روس)، وحاول التخلص من الكثير من الجوانب القديمة وغير الأوروبية في الثقافة السياسية الروسية. عندما أعلنه «رعاياه الممتنون» إمبراطوراً رسمياً في عام 1721، بدأ بيتر في فترة بقيت فيها روسيا خلال مائتي عام لاعباً رئيسياً بين القوى العظمى الخمس في أوروبا. حصل خلفاؤه (خاصة كاثرين) على المزيد من الأراضي في أوروبا، لكنهم انتقلوا أيضاً إلى عمق آسيا، وانضموا في النهاية إلى اللعبة الكبرى مع بريطانيا في الأراضي الحدودية لتركستان وأفغانستان والهند. العديد من عمليات الاستحواذ هذه في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر تسببت بحدوث مشكلات، وضاعت في حريق الحرب العالمية الأولى والحرب الأهلية. استعاد الاتحاد السوفييتي بعضها في أوائل عشرينات القرن الماضي، واستعاد البعض الآخر بحلول عام 1945. وفي عام 1991، نالت جميع هذه الأراضي استقلالها، وكادت روسيا أن تُقلص إلى المنطقة التي ضمها موسكو في عند انضمام أليكسي ميخائيلوفيتش في عام 1645.

أصبحت حدود القوة الإمبريالية الروسية واضحة في حرب القرم. بحلول عام 1900، فمن الواضح أن روسيا بدأت تعاني مما أسماه بول كينيدي التمدد الإمبراطوري. وبعد أن تم التحقق من قبل البريطانيين في آسيا الوسطى، بدا أن الروس يحاولون إعادة تمثيل غزوات جنكيز خان في الاتجاه المعاكس. ربما بدت الصين جاهزة للاستيلاء عليها، لكن اليابان (وبريطانيا) لم تسمحا للروس بأن يشقوا طريقهم في شرق آسيا. وهكذا توقف التوسع الروسي باتجاه الشرق في 1905 أيضاً.

يتساءل الفصل الحادي عشر عمّا كان يمكن أن يحدث للإمبراطورية الروسية لو لم يتم تدميرها في الحرب العالمية الأولى؛ خلال معظم القرن العشرين، اعتبر علم التأريخ أن روسيا والنمسا-المجر إمبراطوريتان محكوم عليهما بالانهيار تحت وطأة القومية المتزايدة، بغض النظر عن اندلاع الحرب في عام 1914. ولكن إذا كان الأمر كذلك، فإن الشيوعيين بالكاد كان بإمكانهم توحيد الاتحاد السوفييتي من شظايا الإمبراطورية الروسية بعد عام 1917.

يتناول الفصلان الأخيران إحياء الإمبراطورية الروسية في شكلها الجديد باسم الاتحاد السوفييتي وتفكيكه. في 1919، كانت هناك حكومتان على الأقل تدعيان أنهما الخلفاء الشرعيون لنظام القيصر. بحلول 1921، تمت إضافة العديد من الأراضي التي كانت قيصرية سابقاً إلى روسيا البلشفية، بينما انسحب منافسوها من الميدان. اكتسب الاتحاد السوفييتي القوة (بتكلفة بشرية مذهلة) على مدى العقدين التاليين، ثم أثبت قوته بما يكفي لتحمل اللصوص على يد هتلر (بتكلفة بشرية مذهلة بنفس القدر).

لن تكون إمبراطورية

على الرغم من أن الحرب دمرت الاتحاد السوفييتي الأبيض، إلا أن الدولة التي خرجت منه بعد عام 1945 كانت أكبر حتى من الإمبراطورية القيصرية لنيكولاس. وبالفعل وقع عدد من الدول على الجانب الآخر من الحدود السوفييتية الرسمية تحت سيطرة موسكو أيضاً، وظل كذلك حتى عام 1989. مرة أخرى، كان الانهيار سريعاً: أولاً، في خريف 1989، ثم في صيف عام 1991، انقسم الاتحاد السوفييتي نفسه إلى خمس عشرة دولة مستقلة، روسيا الاتحادية واحدة منهم.

يقول الكاتب في الختام: «لا تزال روسيا بوتين دولة شاسعة جغرافياً، ولديها أسلحة نووية أكثر من أي دولة أخرى على وجه الأرض، باستثناء الولايات المتحدة. ولكن على الرغم من مواقفها، والاستجابة الغربية المخيفة أحياناً لتحركاتها، فليس من الواضح على الإطلاق ما إذا كانت روسيا اليوم إمبراطورية، ومن المشكوك فيه أيضاً ما إذا كانت يمكن أن تكون إمبراطورية مرة أخرى، أو حتى تريد أن تصبح إمبراطورية مرة أخرى».

عن المترجم

نضال إبراهيم

كتب مشابهة

1
دييجو سانشيز أنكوشيا
كتاب
كوري ديكر وإليزابيث مكماهون

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

المزيد من الكتب والكتاب

1
ليف فيجين
1
كارلوس ساردينيا جالاتشي
1
جون كامبل
1
دونالد ساسون
1
أنتوليو جوزيف إتشيفاريا
1
بول جي.هاريس
1
جوليا ماسكيفكر
1
ليام كامبلينج وأليخاندرو كولاس
https://tinyurl.com/y58s222l