أهمية «القاسم الانتخابي» في المغرب

01:17 صباحا
قراءة 3 دقائق

د.إدريس لكريني

تكتسي العملية الانتخابية- كآلية للمشاركة السياسية- أهمية كبرى، فهي تسمح باستشارة المواطنين واستحضارهم في صناعة القرارات ورسم السياسات العامة. وتختلف هذه الآلية من حيث أهميتها ونجاعتها من دولة إلى أخرى؛ إذ تتحكم في نجاعتها وإفرازها لنخب على قدر من الكفاءة والمصداقية، طبيعة النظام السياسي القائم، والثقافة السياسية السائدة، علاوة على الضوابط القانونية التي تؤطرها، ومدى فاعلية الأحزاب السياسية.

 على بعد بضعة أشهر من تنظيم الانتخابات التشريعية بالمغرب، وفي الوقت الذي كان من المفترض أن تنكب فيه الأحزاب السياسية، سواء كانت داخل الحكومة أو المعارضة على تقييم الأداء والحصيلة، وفتح نقاشات عمومية بصدد عدد من القضايا الراهنة التي تشغل بال المواطن، في ارتباط ذلك بتداعيات جائحة كورونا، وسبل تحويل الأزمة إلى فرصة، وجلب الاستثمارات، وتوفير فرص الشغل وإصلاح قطاع التعليم، ثار نقاش حاد بين الأحزاب السياسية بكل مكوناتها، حول تعديل القانون التنظيمي لمجلس النواب، وبخاصة فيما تعلق منه باعتماد تغيير طريقة حساب «القاسم الانتخابي» الذي توزع من خلاله المقاعد البرلمانية، وتلك المتعلقة بمجالس الجماعات الترابية (المحلية)، بعد عملية الاقتراع.

 في السادس من شهر مارس 2021 تم حسم الأمر بتصويت 162 نائباً ينتمون لسبعة أحزاب سياسية من الأغلبية الحكومية ومن المعارضة أيضاً لصالح اعتماد تعديل القانون التنظيمي لمجلس النواب ليتضمن هذا التوجه، فيما قام مجلس المستشارين (الغرفة الثانية)، يوم 12 مارس 2021 بالتصويت بالأغلبية، على اعتماد التقنية على أساس عدد المسجلين.

 أثار اعتماد هذه التقنية التي يتم توزيع المقاعد الانتخابية المتعلقة بمجلس النواب (إحدى غرفتي البرلمان) بموجبها، أخذا بعين الاعتبار لعدد الناخبين المسجلين في اللوائح الانتخابية، بدلاً عن عدد الأصوات المعبر عنها بالفعل، مواقف متضاربة بين حزب العدالة والتنمية من جهة، وعدد من الأحزاب السياسية المشاركة في الحكومة التي يقودها حزب العدالة والتنمية، وأخرى محسوبة على تيار المعارضة من جهة أخرى. ويرى قادة الحزب ذي المرجعية الإسلامية (العدالة والتنمية)، أن التعديل ينطوي على إقرار آلية غير متداولة في العديد من النظم الديمقراطية المقارنة، تستهدف تقزيم حضوره داخل مجلس النواب، والسعي لعدم فوزه بولاية تشريعية أخرى، بعدما كسب الولايتين التشريعيتين الأخيرتين وقاد بموجبهما الحكومة خلال مرحلتين. وذهب البعض إلى أن الأمر سيكلفه فقدان زهاء ثلاثين مقعداً في الانتخابات التشريعية القادمة، ولم يكتف بعض قادة الحزب بالتأكيد على أن الأمر مخالف لمقتضيات الدستور، ويستدعي اللجوء للمحكمة الدستورية؛ بل ذهبوا إلى حد التهديد بإرباك العملية الانتخابية في حال اعتماد هذه التقنية.

 ويعتقد الرافضون لهذا النظام أيضاً، بأنه سيحول دون فوز أي حزب مهما بلغت قوته بمقعدين في نفس الدائرة. أما المؤيدون لهذا الخيار، فيرون أنه لا يمس بمبدأ تكافؤ الفرص؛ بل يمثل مدخلاً لتعزيز المشاركة في الانتخابات وتجاوز حالة العزوف السياسي والانتخابي السائدة منذ سنوات، ويحول دون احتكار المواقع الحكومية والبرلمانية من طرف حزب أو أحزاب معينة والتي ظلت تستأثر بأكثر من نصف عدد أعضاء مجلس النواب في الولايتين التشريعيتين الأخيرتين، كما أنه سيتيح حظوظاً وافرة أمام عدد من الأحزاب الصغيرة والمتوسطة للظفر بمقاعد في عدد من الدوائر الانتخابية، وتعزيز التمثيلية الحزبية وتعددها، بصورة تدعم العملية الديمقراطية وتمنحها قدراً من الدينامية.

وفسر البعض إلحاح قادة حزب العدالة والتنمية على بقاء النظام الانتخابي على حاله، بأنه يعكس الرغبة في الاستفادة مرة أخرى من العزوف الانتخابي الذي مكن من حصد عدد كبير من الأصوات والمقاعد، ووجود مخاوف جدية من إمكانية تراجع الحزب، فيما لاحظ آخرون أن حزب الأصالة والمعاصرة الذي حصل بدوره على نتائج مهمة في الولايتين التشريعيتين السابقتين اختار التموقع إلى جانب الأحزاب الأخرى في القبول بالتعديل.

 يؤكد الكثير من المراقبين، أن اعتماد القاسم الانتخابي بهذا الشكل، سيدفع الكثير من المسجلين في اللوائح الانتخابية إلى المشاركة الفاعلة في الانتخابات التشريعية، وجدير بالذكر أنه كلما ارتفعت نسبة المشاركة السياسية، كلما ترسخت الشفافية في هذه العملية، وعبرت بالفعل عن التوجهات العامة للناخبين، ما يعزز من إمكانية اختيار النخب التي تعبر عن إرادة المواطن، وتجاوز حالة العزوف التي استفادت منها أحزاب بعينها في السنوات الأخيرة.

 إن الاتفاق على ضوابط تؤطر العملية الانتخابية ينسجم إلى حد كبير مع مقتضيات الدستور التي تؤكد التعددية الحزبية، وعلى تطوير الممارسة الديمقراطية.

 لا يمكن اختزال رهان العملية الانتخابية في عدد المقاعد المحصل عليها؛ بل هي مسؤولة قبل كل شيء.

[email protected]

عن الكاتب

​باحث أكاديمي من المغرب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"