عادي

إبراهيم مبارك: القراءة ملاذي

ذاكرة رمضانية
00:00 صباحا
قراءة 3 دقائق
1

الشارقة: عثمان حسن
الزمان، هو شهر رمضان في خمسينات وستينات القرن الماضي، والمكان هو قرية أم سقيم في جميرا دبي؛ حيث ولد القاص الإماراتي إبراهيم مبارك.. القرية بفضائها الشاسع الممتد جوار البحر والنخل؛ حيث ذاكرة الصيادين، والأهل الطيبين، الوادعين بهناءة وصبر، وعشق للمكان الذي ينتمون إليه..كل ذلك شكل شريطاً من الذاكرة التي لا تمحى عند إبراهيم مبارك، ذاكرة لا تزال تلح عليه، وتستولي على مشاعره بفيوضات المحبة الخالصة، واليوم؛ إذ يحل الشهر الفضيل، يتذكر إبراهيم مبارك كل ذلك، لكنه يتذكره بريشة المبدع.
يقول إبراهيم مبارك: «حين يحل شهر رمضان المبارك، ترد في البال، كل التفاصيل التي لها صلة بهذا الشهر، الذي كان مختلفاً في طريقة استقباله من الناس البسطاء؛ حيث تراود الذاكرة تلك العادات الحميدة التي تصل الناس ببعضهم بعضاً، فتشعرك بمعاني التلاحم والمحبة، وبقيم الجمال التي تتجسد على أرض الواقع، وليس في الكتب أو في الآمال المعلقة في الهواء كما هو حالنا اليوم».
ويضيف إبراهيم مبارك: «شكل رمضان في تلك الفترة فرصة حقيقية للقراءة والتأمل، والكتابة عن مستقبل نلوذ به، يغمرنا تحت جناحيه، لكي نكتب ما نحس به، ونتهجأه بطعم ونكهة البساطة والتواضع، كما رائحة التراب، وصخب البحر وهدوئه، تحت تلك السماء الصافية والمشتهاة».
ويتحدث إبراهيم مبارك عن «رمضان زمان» الذي كان فقيراً في الكتب والإصدارات، سواء العربية أو الأجنبية، فيذكر أن ما كان متوفراً للقراءة أمام جيله لا يتعدى تلك الصحف والمجلات، خاصة المصرية مثل: المصور وآخر ساعة، وغيرها، ومع ذلك يؤكد مبارك: «كنا نقرأها بنهم شديد، ونتبارى في معرفة ما تقوله تلك المجلات عن أحوال العالم وشواغله».
الفرصة الأولى
عن أول فرصة سنحت له ولجيله لقراءة الكتب الأدبية، يعود مبارك بالذاكرة إلى محطة رئيسية في حياته، اقترنت باسم «نادي النصر» الذي تأسس في 1945، على أرض محمد علي زينل بالغبيبة،، فحقبة ستينات القرن الماضي شهدت احتضان النادي لمكتبة أدبية وثقافية شكلت فرصة سانحة وثمينة له لقراءة الكتب الأدبية العربية والأجنبية، فتعرف حينذاك إلى كبار كتاب العالم من أمريكا اللاتينية والاتحاد السوفيتي سابقاً، مثل غارسيا ماركيز، وبوشكين وتولستوي وغوركي وغيرهم.
يقول مبارك: «كان رمضان، خاصة مع انشغال الأهل بمعاشهم اليومي، سواء في الصيد، أو الرعي على نحو أقل، يمنحنا فرصة لزيارة النادي والقراءة بشغف واهتمام بالغين»، وهي النقلة التي أثرت بشكل مباشر في احترافه لفن الكتابة الأدبية.
بين ذاكرتين
يتحدث مبارك عن رمضان اليوم، الذي شهد تغييرات جذرية في العادات والتقاليد فأصبح كل شيء مختلفاً؛ حيث سادت العزلة، وحلت محل الرفقة والأصحاب والألفة والتواصل، يقول: «صار التلفزيون والإنترنت شاغل الناس اليومي، في بيت كل الأسر العربية، وصار رمضان موسماً يقترن بالدراما، التي يغلب عليها الإسفاف، فلا قصص حقيقية، وأمست معظم الدراما فارغة المضمون وتهدف إلى الإثارة ودغدغة العواطف» وهي كما يؤكد مبارك لا تحاكي الواقع أو المجتمع الذي نعيشه، باستثناء تلك الدراما، التاريخية التي تعتمد نصوصاً موثقة ومعروفة، وتابع: «باتت الكتابة للدراما التلفزيونية في غالبيتها، خاصة الرمضانية، رهن شطحات خيال كاتبها، وتهدف إلى إثارة جمهور غاب عن القراءة والمعرفة، وانصرف إلى التسلية واللهو ليس إلا».
في رمضان ينشغل مبارك اليوم بالقراءة، يقول: «أهرب إليها وألوذ بها»، أو يتواصل مع أصدقائه من الكتاب والمثقفين، بحثاً عن أفق آخر مختلف؛ حيث يظل الكتاب رفيقه، وفي أحيان أخرى يبحث عن ندوة ثقافية، لعلها تخرجه من أسر وعادات اليوم.
وفي هذا الشأن يقول: «اختفى رمضان بعاداته وتقاليده وطقوسه، وبقيت ذكرياته، محفورة في تلك الأزقة، وذاك النزوع الطفولي الفطري نحو حياة بلون مختلف، حياة مدهشة ومحفزة، وليست مسيرة ب «الريموت كنترول» أو مأخوذة بالجوال والشاشات الرقمية التي يصعب أن تعثر في خضم ما تبثه على ما تريده من ثقافة، باستثناء القليل القليل، نحن أمام رمضانين بلونين، وطعمين، وذاكرتين، تبقى واحدة منها فقط مشرقة، ومحفورة في العقول والوجدان».

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/yzl6s55p