الاستثمار والتمويل الإسلامي

21:11 مساء
قراءة 4 دقائق

في ظل الصدمات الاقتصادية التي شهدتها أسواق رأس المال العالمية في مواجهة موجات الارتداد المستمرة في انتشار وباء «كورونا»، والتبعات التي أحدثها في عام 2020 على العالم، وما أحاط به من حالات عدم اليقين والتقلب، إضافة إلى التغييرات الجذرية غير المسبوقة على العديد من الصعد، برز في الأسواق اتجاهان رئيسيان أظهرا قدرتهما على المرونة وتحقيق النمو، وهما: التمويل الإسلامي والقطاعات التي تنتهج معايير الحوكمة والمسؤولية الاجتماعية والبيئية. وفي حين تتركز التصورات حالياً على خريطة طريق الشرق الأوسط لمرحلة ما بعد فيروس كورونا، فقد تبلورت في الأفق التوقعات حول الدور الرئيسي الذي ستلعبه أصول التمويل الإسلامي في دعم الاستقرار الاقتصادي في المستقبل، وفي إتاحة فرصة حاسمة أمام المستثمرين للاستفادة من استراتيجيات الاستثمار في مجال الحوكمة والمسؤولية الاجتماعية والبيئية، على حد سواء، ما سيمنحهم القدرة على خلق قيمة مستدامة على المدى الطويل.
وإذا ما نظرنا أولاً في العوامل الناشئة التي تشكل حافزاً رئيسياً في تسريع حركة نمو التمويل الإسلامي، وثانياً، في الدور الرئيسي الذي يلعبه التمويل الإسلامي في تيسير فرص استثمارية تتسم بالمبادئ الأخلاقية والاستدامة على نطاق أوسع، فإن الشرق الأوسط، لا محالة، أمام فرصة استثمارية هائلة تنبعث من الجهود المبذولة للنهوض من تداعيات الوباء، والانطلاق نحو المستقبل، وهي فرصة ستشارك الأجيال القادمة من المستثمرين الشباب بشكل رئيسي في ترويجها، وتوسيع نطاقها.
وعلى الرغم من البيئة الاقتصادية الكلية المتسمة بالتحدي الشديد، فإن التمويل الإسلامي يشهد ارتفاعاً في حركة النمو.
وإزاء التقلبات المفرطة التي شهدتها أسواق الأسهم خلال عام 2020 والهبوط الشديد في معدلات الدخل الثابت نتيجة عمليات البيع بأسعار منخفضة مع بداية انتشار وباء «كوفيد-19» والتداعيات الاقتصادية التي أثرت في العديد من الدول، أتاحت الأصول المصرفية الإسلامية فرصاً استثمارية إيجابية أمام المستثمرين حيث زاد الطلب عليها، لا سيما في ظل البرامج المساندة وسياسات الدعم الحكومي في هذا المجال.
 وشهدت بورصة ناسداك دبي نمواً إيجابياً في إدراجات الصكوك خلال عام 2020، بلغت ذروتها في شهر نوفمبر/ تشرين الثاني، مع قيام بنك دبي الإسلامي بإدراج صكوك بقيمة إجمالية بلغت مليار دولار أمريكي. وكشفت البيانات الواردة في تقرير حديث صادر عن وكالة التقييم الائتماني العالمية «موديز»، عن ارتفاع قيمة إصدارات الصكوك بنسبة 15% في عام 2020 لتصل إلى مستوى قياسي سنوي بلغ 205 مليارات دولار أمريكي، وهي زيادة سنوية للعام الخامس على التوالي. وفي حين تشير التقديرات إلى استقرار هذا النمو في عام 2021، إلا أن تقديرات وكالة موديز تعكس زيادة مستمرة في الصناديق الإسلامية العالمية الخاضعة للإدارة، بمعدل نمو سنوي يتراوح بين 4 و5% خلال الفترة بين 2021-2022.
وفي الوقت الذي واجهت فيه العديد من فئات الأصول تراجعاً في الأداء، وحالة من القصور تحت وطأة الضغوط الاقتصادية الناجمة عن الوباء، لجأ المستثمرون إلى الأعمال المصرفية الإسلامية لكونها ملاذات آمنة تساهم في توفير الاستقرار والحدّ من المخاطر السائدة. وبعيداً عن مجرد الحفاظ على الثروة، فإن الاستراتيجيات المتوافقة مع الشريعة تتيح للمستثمرين إمكانية الاستفادة من فرص استثمارية تتسم بمزيد من التنوع والمسؤولية. ومع تزايد التحديات التي تواجهها الأسواق العالمية للانطلاق نحو المستقبل، أصبح من واجب مديري الثروات العمل بشكل فعال لتزويد المستثمرين بالحلول المصممة حسب احتياجاتهم وأهدافهم المحددة، لإتاحة الفرصة أمامهم من أجل توليد قيمة مستدامة.
إن بيئة الأعمال السائدة في أسواقنا الحالية تتسم بالتغير المستمر، ومن أجل تمكين المستثمرين من تحقيق القيمة من استثماراتهم، نحن نسعى باستمرار إلى الحفاظ على الفطنة والمرونة وإلى تطوير عروضنا ومنتجاتنا بما يتماشى مع المتطلبات المتغيرة للمستثمرين. ومن المعروف أن الاستثمار المسؤول يتطلب وجود محفظة تتسم بالتوازن، وتتم إدارتها بكفاءة عالية، مع الحرص على تعزيز إدارة المخاطر وتبنّي نموذج قائم على التنوع وضمان أمن الأصول. ويعتبر التمويل الإسلامي من الحلول الناجحة في هذا المجال بحيث يتيح للمستثمرين وسيلة فعالة لتحقيق أهدافهم الاستثمارية.
وإضافة إلى ذلك، فقد ساهمت الجائحة بشكل عام في تعزيز الطلب على استراتيجيات التمويل الإسلامي، ما زاد بشكل ملحوظ نمو الحركة الاستثمارية في قطاعات الحوكمة والمسؤولية الاجتماعية والبيئية. وقد نمت الاستثمارات ذات الإدراك للبعد البيئي والاجتماعي بشكل كبير منذ تفشي جائحة «كوفيد-19»، ومن المتوقع أن يستمر هذا الاتجاه في التوسع خلال السنوات القادمة. وتشير البيانات التي حللتها وكالة «بلومبرج» إلى أن قيمة الأصول الاستثمارية في قطاع الحوكمة والبيئة والمجتمع قد تصل إلى 53 تريليون دولار بحلول عام 2025. وعلى الرغم من أن البعض قد اعتبر في البداية أن موجة الاستثمار في قطاع الحوكمة والمسؤولية الاجتماعية والبيئية هي مجرد فورة مؤقتة يشهدها السوق، إلاّ أن الواقع هو أن هذا القطاع سيشكل حجر الزاوية للاستثمار في المستقبل. ولا يقتصر ذلك على الاستراتيجيات المعتمدة من قبل المستثمرين الأفراد والمستثمرين المؤسسيين فحسب، بل يمتد أيضاً إلى الناحية التشغيلية في قطاع إدارة الاستثمار على نطاق أوسع. 
* الشريك المحدود ورئيس الأسواق الجديدة في بنك لومبارد أودييه

عن الكاتب

الشريك المحدود ورئيس الأسواق الجديدة في بنك لومبارد أودييه

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/u5r8fzxd