لتكن ذكرياتك جدولاً صافياً

00:21 صباحا
قراءة دقيقتين

توقفت مطولاً عند كلمات قرأتها للكاتب والروائي البرازيلي باولو كويلو، جاء فيها: «نحتاج إلى جهد كبير لنتحرر من الذكريات التي تسيطر على تفكيرنا». وبذل هذا الجهد مهم وحيوي خاصة مع الذكريات المؤلمة والحزينة، ولا يمكن الانطلاق نحو المزيد من العمل وبذل المزيد من الجهد للتطور والتقدم، والسعي الحثيث نحو السعادة والخير، ونحن ما زلنا عالقين وسط أحداث وقعت قبل فترة من الزمن، فالتفكير بحد ذاته يشتّتك ويبعدك عن الواقعية، يبعدك عن الأرضية السليمة القوية التي يمكنك الثبات عليها.
 لا يمكن تخيل إنسان يجتر الماضي ويعيد إنتاجه ويتحدث عن تفاصيله المؤلمة وفي اللحظة نفسها يريد التقدم وينظر نحو المستقبل، لأن الذكريات المؤلمة الحزينة تكبل النفس وتبعث في داخلها الكآبة والألم، وتغطي ذاكرتك ومختلف جوانبك هذه الضبابية فلا يبقى للواقع ولا للجديد أي مكان في عقل متعب ومرهق من الذكريات وما حدث في الماضي من مواقف وأحداث.
 أعلم أنه لا يمكن إلغاء ما مررنا به، ولا يمكن أن نمسح بضغطة زر ما هو داخل عقولنا، لكن يمكن إهماله، على الأقل خلال يومنا الذي يحتاج إلى الحضور الذهني ولليقظة. لكم أن تتخيلوا طالبة أو طالباً على مقاعد الدراسة، ويدخل لاختبارات تحدد مصير حياته ومستقبله، وهو مشتت الذهن تحتل عقله ذكريات عديدة لأحداث وقعت قبل عام أو عامين. كيف يمكن أن يركز ويقوم بالإجابة وعقله مشغول ومشتّت؟. يجب التعامل مع الذكريات المؤلمة بمهارة وحيوية، لا أقول النسيان، ولكن التناسي، ونسعى بأن لا تكون ذكرياتنا سوداوية مظلمة، بل نأخذ منها الفوائد والعبر والدروس، التي تسهم في منحنا معنى عميقاً عن الحياة، مهما مررنا به من أحداث مؤلمة وقصص حزينة، يمكن وضعها في إطارها ومكانها الصحيح وأنها دروس تعلمنا منها وعبر توقفنا عندها، لكن لا نتركها مؤثرة على واقعنا الآن. 
وإن كان لا بد لنا في حضور مثل هذه الذكريات، فلنجعل منها دافعاً نحو المزيد من الحيوية واليقظة والحماس. وكما قال الروائي والكاتب المصري نجيب محفوظ: «الذكريات تنهمر كالمطر، وهي دائماً كذلك، ومهمتك أن تصنع منها جدولاً صافياً». لا تجعل من أحداث وقعت قبل فترة من الزمن، لها الكلمة في تحديد اتجاهاتك الحياتية، لا تجعلها سبباً في إخفاقك وفشلك، بل حولها لتكون دافعاً إلى النجاح نحو التعلم من الأخطاء وافهم دروس الحياة.
[email protected]
 www.shaimaalmarzooqi.com

عن الكاتب

كاتبة وناقدة إماراتية ومؤلفة لقصص الأطفال وروائية. حصلت على بكالوريوس تربية في الطفولة المبكرة ومرحلة ما قبل المدرسة والمرحلة الابتدائية، في عام 2011 من جامعة زايد بدبي. قدمت لمكتبة الطفل أكثر من 37 قصة، ومتخصصة في أدب اليافعين

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"