الصوت واللامساواة

الفقر والمشاركة السياسية في ديمقراطيات أمريكا اللاتينية
22:54 مساء
ترجمة وعرض:
نضال إبراهيم
قراءة 7 دقائق
1
1

عن المؤلف

الصورة
3
كارو بولدينغ وكلاوديو أ.هولزنر
* كارو بولدينغ أستاذة مساعدة في العلوم السياسية بجامعة كولورادو. لها عدد من الكتب من بينها «المنظمات غير الحكومية والاحتجاج السياسي والمجتمع المدني».
** كلاوديو أ.هولزنر أستاذ مساعد في العلوم السياسية ومدير مركز دراسات أمريكا اللاتينية بجامعة يوتا. له عدد من الكتب من بينها: «فقر الديمقراطية: الجذور المؤسسية للمشاركة السياسية في المكسيك».

 للأنظمة السياسية في أمريكا اللاتينية تاريخ طويل في استبعاد الفقراء من السياسة.. واليوم تواجه معظم هذه الديمقراطيات الفتية تحديات فعلية بسبب اللامساواة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. يقدم المؤلفان في هذا العمل تحليلاً موسعاً عن المشاركة السياسية ومستقبل الديمقراطية في أمريكا اللاتينية.

يقدم هذا الكتاب أول تحليل تجريبي موسّع لمشاركة الفقراء في سياسة أمريكا اللاتينية، مع التركيز على أنماط المشاركة بين أفقر المواطنين، ويقارن أنماط السلوك السياسي الخاصة بالمواطنين الأكثر ثراء. يتناول الكتاب المشاركة السياسية في التصويت، والاحتجاج، وأنشطة الاتصال الحكومية المباشرة في 18 دولة في أمريكا اللاتينية. ويقدم إجابات لعدد من الأسئلة المهمة مثل: ما مدى نشاط الفقراء في أمريكا اللاتينية؟ في أي أعمال سياسية يساهمون؟ ما الذي يفسر التباين في أنماط التصويت والاحتجاج والاتصال بالحكومة لأفقر مواطني المنطقة؟ لماذا تكون فجوات المشاركة أكبر في بعض البلدان وأقل في بلدان أخرى؟

 يستخدم المؤلفان استطلاعات أجريت في 18 دولة في أمريكا اللاتينية بين عامي 2006 و2014 لتحليل أنماط السلوك السياسي بين الأفراد الفقراء، ومقارنة هذه الأنماط مع الأفراد الأكثر ثراء. يظهران بالتفصيل أن الفقراء في المنطقة يشاركون في الواقع على مستويات عالية جداً، وفي بعض الحالات أعلى بكثير مما نتوقعه بناءً على مواردهم الاجتماعية والاقتصادية وحدها. ولكن هناك أيضاً الكثير من التباين في مدى مشاركة الفقراء في الأعمال السياسية المختلفة. على الرغم من أن الفجوات في النشاط أقل مما قد يتوقعه الكثيرون، إلا أن المواطنين الأكثر فقراً يصوتون ويحتجون بشكل أقل من الأغنياء.

 فهم المشاركة السياسية

يجد المؤلفان أن المؤسسات الرئيسة للديمقراطية والمجتمع المدني والأحزاب السياسية والانتخابات التنافسية لها تأثير هائل في ما إذا كان الفقراء سيحضرون للتصويت والاحتجاج والاتصال بالمسؤولين الحكوميين أم لا. من المؤكد أن قيود الموارد الفردية التي يواجهها الفقراء يمكن أن تكون عقبات رهيبة للنشاط السياسي وتشكل ضغوطاً مستمرة ضد النشاط. لهذا السبب بالتحديد، يركزان على سمات السياسة الديمقراطية التي تخلق فرصاً للمشاركة التي لها تأثير أقوى في قدرة الفقراء ورغبتهم في القيام بعمل سياسي.

 يقول المؤلفان: «تعتبر المشاركة السياسية مهمة لأنها تجعل أصوات المواطنين مسموعة في أروقة السلطة، ومحاسبة القادة المنتخبين، ودفع الديمقراطيات لتمثيل مصالح المواطنين. المشاركة السياسية للطبقات الدنيا مهمة أيضاً. فعندما يصوتون بنشاط ويحتجون ويتواصلون مع المسؤولين الحكوميين، لا يغير المواطنون الفقراء نتيجة الانتخابات فحسب، بل يؤثرون أيضاً في جوهر السياسات العامة ومدى جودة الخدمات الحكومية التي يتم تقديمها ومدى إنصافها. يعتمد نجاح واستقرار الأنظمة الديمقراطية في أمريكا اللاتينية أيضاً على المشاركة السياسية الواسعة النطاق في السياسة من قبل أفقر مواطني المنطقة. إذا تم إقصاء المواطنين الفقراء عن السياسة، فإن عدم المساواة في الصوت والتمثيل الذي يتبع ذلك يمكن أن يضر بجودة الديمقراطية.

 بالنظر إلى التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية الشديدة في أمريكا اللاتينية، ربما يكون ضمان المساواة السياسية لجميع المواطنين هو التحدي المركزي الذي يواجه الحكومات الديمقراطية».

ويضيفان: «للوهلة الأولى، تبدو أمريكا اللاتينية مكاناً بعيد الاحتمال للفقراء ليحققوا فيه مستويات عالية من المشاركة السياسية. فمعظم الأنظمة السياسية في بلدان أمريكا اللاتينية تتمتع بتاريخ طويل في استبعاد الفقراء من السياسة. 

 تأثير التحول الديمقراطي

تزامنت عملية التحول الديمقراطي في الثمانينات والتسعينات مع بعض من أسوأ الأزمات الاقتصادية التي شهدتها أمريكا اللاتينية على الإطلاق. تبنت معظم الحكومات الديمقراطية الحديثة في المنطقة نسخة معينة من السياسات القائمة على السوق للتعامل مع الأزمة، والسيطرة على التضخم، وإطلاق شرارة النمو الاقتصادي. هذه الإصلاحات المستندة إلى السوق إلى جانب الانخفاض الحاد في قدرة التعبئة للنقابات العمالية ومنظمات الفلاحين أغلقت عموماً فرص المشاركة السياسية عبر أمريكا اللاتينية وشهدت هذه الفترة أيضاً تضييقاً في الاختيار السياسي في صناديق الاقتراع، حيث تم إضعاف الأحزاب على اليسار بشدة أو عدم وجودها في معظم بلدان أمريكا اللاتينية. ونتيجة لذلك، كان المواطنون الأفقر أقل عرضة للتعبئة من قبل المنظمات الحزبية وكانت لديهم حوافز أقل للانخراط في السياسة. كان التأثير الإجمالي هو توطيد «الديمقراطيات الهزيلة».

 يوضح المؤلفان أن الأفراد الفقراء أكثر نشاطاً سياسياً من الأفراد الذين لديهم موارد أكثر في جمهورية الدومينيكان وتشيلي وبنما والمكسيك وكولومبيا، بينما في الأرجنتين وبيرو وهندوراس ونيكاراغوا والبرازيل والسلفادور، لا يوجد فرق مهم إحصائياً تقريباً في مستويات المشاركة السياسية. يتساءل الكاتب: «لماذا ينشط الفقراء سياسياً إلى هذا الحد في أمريكا اللاتينية؟» ويعلق: «جاء هذا التكافؤ في أنماط المشاركة السياسية في خضم التغيرات السياسية الدراماتيكية في المنطقة، والتي شملت انتخاب رؤساء يساريين، وإضعافاً، وفي بعض الحالات انهياراً كاملاً للأنظمة الحزبية، وتآكل السياسات الديمقراطية في بعض الدول»، كما يتساءل: «ما هو تأثير التغييرات الهائلة والمتناقضة في بعض الأحيان في القوى السياسية والاقتصادية والاجتماعية في أمريكا اللاتينية على الفرص المتاحة للمواطنين العاديين للانخراط في السياسة؟»

 يقول الكاتبان: «قد يكون للتحولات الهائلة التي شهدتها دول أمريكا اللاتينية في القرن العشرين بعض الآثار المتناقضة على قدرة الناس ورغبتهم في المشاركة السياسية. فقد تآكلت بشكل كبير بعض الآليات المهمة للإدماج السياسي للمواطنين الفقراء، مثل النقابات العمالية والروابط القوية للشركات مع الأحزاب السياسية. شهدت الأحزاب السياسية وأنظمة الأحزاب تحولات كبيرة وأصبحت أضعف وأقل استقراراً من أي وقت مضى، ما يثير التساؤل حول مدى قدرة هذه الأحزاب على تعبئة المواطنين الأكثر فقراً.

 هيمنة اليسار

 جلب مطلع القرن تغييرات سياسية كبيرة لهذه الديمقراطيات الشابة، مؤسسياً وأيديولوجياً على حد سواء، ما أثار الآمال في أن الديمقراطيات «الهزيلة» في الماضي كانت مهيأة لإدماج المواطنين الأكثر فقراً بشكل كامل ومعالجة قضايا عدم المساواة التي طال أمدها في المنطقة. يقول المؤلفان: «حتى خلال أواخر التسعينات وأوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، كانت هناك احتجاجات ضخمة ضد السياسات النيوليبرالية في العديد من البلدان، وكان العديد منها مدعوماً بالحياة النقابية والتجارب السابقة في التعبئة».

 ويضيفان: «عزز تدفق مساعدات التنمية الموجهة للمنظمات غير الحكومية والحكومات المحلية المشاركة في كل من التصويت والاحتجاج في العديد من المجتمعات التي كانت تفتقر إلى الخدمات في السابق. أدت هذه الحركات إلى موجة من السياسات «المؤيدة للفقراء» في المنطقة حيث قامت الأحزاب اليسارية والمرشحون بحملات وفازوا في الانتخابات على منصات تضمنت الاهتمام بالبرامج الاجتماعية، وقضايا السكان الأصليين، وتخفيف حدة الفقر، وزيادة فرص مشاركة المواطنين. هذا التحول إلى اليسار الذي بدأ بانتخاب هوغو شافيز لرئاسة فنزويلا في عام 1998، شهد فوز الأحزاب السياسية اليسارية بالأغلبية التشريعية والانتخابات الرئاسية في معظم دول المنطقة بحلول عام 2014، ما أدى إلى زعزعة النظام الراسخ للأحزاب الوسط ويمين الوسط التي هيمنت منذ الانتقال إلى الديمقراطية في الثمانينات. كان هذا التحول إلى اليسار بمثابة رفض للسياسات الاقتصادية التي جلبت القليل جداً من الفوائد للمجتمعات الفقيرة، مثل رفض الديمقراطيات الإجرائية الرقيقة التي خلقت عقبات ومثبطات كبيرة للمشاركة السياسية»، ويجدان أن الحكومات اليسارية عملت على تغيير السياسات من خلال تنفيذ سياسات اقتصادية أكثر شمولاً مصممة لترويض السوق الحرة، وإعادة توزيع الدخل، وتخفيف حدة الفقر.

 إصلاحات مؤسسية 

 اختلفت البرامج في طابعها ونطاقها، ولكن أينما نُفذت كانت تحمل معها زيادة في الإنفاق الحكومي ووجود الدولة في حياة الأفراد. كما أجرى عدد من الحكومات اليسارية إصلاحات مؤسسية طموحة تهدف إلى توسيع الحقوق السياسية، وتقليل الحواجز التي تحول دون المشاركة، وتحسين تمثيل المجموعات الهامشية في وضع الميزانية وغيرها من صنع القرار السياسي المحلي. في بلدان مثل أوروغواي والأرجنتين، ركزت حكومات يسار الوسط على توسيع الحقوق الفردية عن طريق خفض سن التصويت القانوني، وضمان المزيد من المساواة بين الجنسين. لكن في فنزويلا وبوليفيا والإكوادور، أجرت الحكومات اليسارية إصلاحات أكثر جذرية شملت إعادة كتابة الدستور بطريقة أعادت هيكلة المؤسسات والعمليات السياسية بشكل أساسي. كما تم تغيير السياسات المحلية والمجتمعية في العديد من البلدان، حيث عادت الحركات الاجتماعية والمنظمات المجتمعية للظهور بعد فترة من السكون.

 بنية الكتاب

 يتناول الفصل الأول والثاني السمات المؤسسية الأساسية للديمقراطية (المجتمع المدني، الأحزاب السياسية، الانتخابات التنافسية، وحماية الحقوق الديمقراطية) وارتباطها مع السلوك السياسي للمواطنين الفقراء. يصف الفصل الثالث بالتفصيل أنماط المشاركة السياسية في أمريكا اللاتينية. ويتناول الفصل أيضاً مقاييس الفقر والمشاركة السياسية وينخرط في بعض التحليلات الإحصائية الأولية من أجل استبعاد التفسيرات البديلة، ويستكشف العلاقة بين السياسة النفعية والمشاركة السياسية في أمريكا اللاتينية. يبحث الفصل الرابع في الدور الذي تلعبه المنظمات المجتمعية في تعبئة الفقراء سياسياً، ويبين أن بعض المستويات العالية غير العادية للمشاركة بين المواطنين الفقراء في أمريكا اللاتينية يمكن إرجاعها إلى مستويات عالية للغاية من التنظيم المجتمعي.

 يتناول الفصل الخامس تأثير جهود التعبئة السياسية من قبل الأحزاب السياسية في النشاط السياسي للمواطنين الأفقر في أمريكا اللاتينية. ويلقي الفصل السادس نظرة على دور الأيديولوجيا من خلال استكشاف تأثير الانعطاف اليساري لأمريكا اللاتينية في النشاط السياسي للفقراء وفي المساواة السياسية بشكل عام. يناقشان أن أيديولوجية الأحزاب الحاكمة مهمة بدرجة أقل من المتوقع، لعدد من الأسباب من بينها:

* أولاً، وصلت الأحزاب اليسارية الراديكالية إلى السلطة عادةً في سياقات كانت الأحزاب فيها ضعيفة. ونتيجة لذلك، تمكنت من السيطرة على الانتخابات والسيطرة ليس فقط على الرئاسة ولكن أيضاً على السلطات التشريعية، وفي النهاية، على السلطات القضائية. وبسبب هيمنتها الانتخابية والمؤسسية والهيكل التنظيمي الضعيف، قد تفتقر الأحزاب اليسارية الحاكمة إلى القدرة أو الحوافز لتعبئة المواطنين الفقراء خارج الانتخابات.

* ثانياً، تفترض معظم الأبحاث المستندة إلى الديمقراطيات المتقدمة أن الفقراء هم المكونات الأساسية للأحزاب اليسارية. لا يصح هذا الافتراض في أمريكا اللاتينية، حيث من المرجح أن يكون الفقراء والأثرياء من المؤيدين الأقوياء لليسار، وحيث من المرجح أن يحتفظ الفقراء بوجهات نظر يمين الوسط مثل وجهات نظر يسار الوسط. ونتيجة لذلك، حشدت الانتصارات الانتخابية لليسار كلاً من الأغنياء والفقراء، ولم تظهر المساواة في المشاركة إلا عندما كانت الانتخابات تنافسية وحيث احتفظت الأحزاب بقدرة تنظيمية كبيرة. كثيراً ما تُؤخذ المشاركة السياسية على أنها مؤشر على مدى جودة عمل الديمقراطية.

 يعتبر المؤلفان العلاقة معكوسة في الفصل السابع، إذ يجدان بأن التدهور في جودة الديمقراطية له تأثير سلبي غير متناسب في قدرة المواطنين الفقراء على المشاركة في العملية السياسية. كما يشيران إلى أن الهجمات على الجمعيات وتآكل الحقوق السياسية والمنافسة السياسية تخلق حواجز أمام المشاركة يصعب على الفاعلين ذوي الموارد المحدودة التغلب عليها. نتيجة لذلك، حينما تكون الديمقراطية في مأزق، غالباً ما يختار الفقراء عدم المشاركة في العمل السياسي بمعدلات أعلى من أي شخص آخر. يتناول الفصل الختامي مستقبل المشاركة السياسية.

عن المترجم

نضال إبراهيم

كتب مشابهة

1
مارسيلو بيرجمان وغوستافو فونديفيلا

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

المزيد من الكتب والكتاب

2
جيورجوس تشارالمبوس
1
سيفيرين أوتيسير
1
نيكول ويجنر وميجان ماكنزي
1
كريس سالتمارش
1
بول هونج، ويونغ وون بارك
2
جون لوف
1
أندرو كوكبيرن
2
بول روجرز