عادي

حرائق الغابات حول العالم.. من المسؤول؟

21:14 مساء
قراءة 7 دقائق
لهيب حرائق الغابات يضيئ الليل في سردينيا الايطالية

الشارقة - ماجد الشاذلي

على الرغم من انشغال العالم على مدار أكثر من عام ونصف العام بجائحة كورونا، حيث طغت أخبارها على كافة وسائل الإعلام، إلا أن الطقس المتطرف الذي يعانيه كوكب الأرض حالياً سرق الأضواء من الجائحة، وأعاد إلى السطح نقاشاً انطلق منذ عقود طويلة، حول الآثار المدمرة للتغير المناخي، والصراع بين المدافعين عن البيئة، ومن يعتبرون «تغير المناخ» خدعة هدفها «الإرهاب البيئي».

النقاش الذي كان يعتبر نوعاً من الرفاه لا يخوض فيه إلا الساسة والمهتمين بالبيئة حول العالم، أصبح هاجساً عالمياً، حيث تستعر الحرائق في خمس قارات (آسيا وأوروبا وإفريقيا والأمريكتين الشمالية والجنوبية)، وتمتد من سيبيريا في روسيا إلى بوليفيا وكاليفورنيا في الولايات المتحدة، مروراً بالجزائر وتونس ولبنان، واليونان وتركيا وإيطاليا.

1
اللون الأسود هو كل ما تبقى من الغابات في موغلا جنوب تركيا

وارتفعت حرارة كوكب الأرض 1.1 درجة مئوية حتى الآن، وهو ما يقول خبراء المناخ والمدافعين عن البيئة، بأننا نشهد عواقبه الآن، في شكل حرائق الغابات، والفيضانات التي غمرت بعض المناطق الألمانية والصينية، وصولاً إلى تسجيل درجات حرارة قياسية في كندا بلغت في بعض الأحيان 50 درجة مئوية.

فعل شيطاني

هذا «الطقس الجنوني» دفع خبراء المناخ في الأمم المتحدة إلى التحذير من أن بعض عواقب الاحترار المناخي «لا يمكن عكس اتجاهها».

وتوقع الخبراء في تقرير بأن يرتفع الاحترار العالمي 1.5 درجة مئوية مقارنة بعصر ما قبل الثورة الصناعية، وذلك بحلول عام 2030، أي قبل عشر سنوات من آخر التقديرات التي وضعت قبل ثلاث سنوات، مشددين على أن هذا الأمر يهدد بوقوع كوارث جديدة «غير مسبوقة».

وفيما يشهد العالم «رد فعل الطبيعة» على التغير المناخي، حيث تجتمع الحرائق مع الفيضانات في بعض الدول، أشعل البعض فتيل الشك حول المتهم الأول في إشعال الحرائق.

ففي الجزائر، حيث اندلعت عشرات الحرائق في مناطق الغابات بشمالي البلاد، قال وزير الداخلية كامل بلجود في تصريح مقتضب، إن «الحرائق متعمدة». وأضاف للتلفزيون الرسمي: «وحدها الأيدي المجرمة يمكن أن تكون مسؤولة عن اندلاع نحو 50 حريقاً في آن واحد في عدة مناطق بالولاية».

وأودت حرائق الغابات في الجزائر بحياة حوالي 65 شخصاً بينهم 28 عسكرياً مع استمرار أسوأ موجة من الحرائق المدمرة في تاريخ البلاد.

1
حرائق الغابات تقترب من قرية بيفكي في جزيرة ايفيا باليونان

وقال محافظ الغابات في محافظة تيزي وزو، 100 كيلومتر شرقي الجزائر العاصمة، إن الحرائق مفتعلة وغير طبيعة، مؤكداً أنه «تم اختيار يوم عرف أن درجة الحرارة ستكون مرتفعة». وأوضح أن «الأماكن التي اندلعت فيها ألسنة اللهب تم اختيارها بعناية وبعملية شيطانية».

وكشفت السلطات الجزائرية عن توقيف 5 أشخاص من قبل عناصر الدرك الوطني بغابات تيشي شرقي بجاية، يشتبه في تورطهم بإشعال الحرائق بغابات المنطقة والغابات المجاورة والتي خلفت وراءها دماراً شاملاً.

وذكرت صحيفة «الشروق» المحلية، أن قوات الدرك الوطني بسرايدي في ولاية عنابة، تمكنت، من توقيف شخص ضبط متلبساً بإضرام النار بمنطقة الردمة ببلدية سرايدي، لافتة إلى أنه يخضع للتحقيق لكشف الأسباب التي دفعته لإضرام النيران.

إيطاليا

أما إيطاليا التي تشهد ذروة حرارة مصحوبة بحرائق في جنوبي البلاد خاصة في صقلية وكالابريا؛ حيث وصلت درجات الحرارة إلى أكثر من 47 درجة في صقلية بالقرب من سيراكيوز، لم تغب الشكوك عن أسباب الحرائق فيها، بعدما رصدت كاميرا خفية مزارع محلي يبلغ 50 عاماً، يشعل حريقاً بشكل متعمد في المنطقة الريفية بالقرب من بلدة مونتيسارشيو في جنوبي البلاد.

وكانت السلطات وضعت عدداً من الكاميرات الخفية في مواقع متفرقة بمنطقة كامبانيا والتي اندلعت فيها حرائق مؤخراً.

وتتوقع خدمة الأرصاد الجوية الوطنية كسر الرقم القياسي لأعلى درجة حرارة سجلت على الإطلاق في إيطاليا (48,5 درجة في عام 1999 في صقلية).

ولم تكن هذه الحادثة الأولى لإشعال حرائق متعمد في إيطاليا، حيث ألقت السلطات القبض على 15 شخصاً في عام 2017 من المتطوعين للإطفاء، للاشتباه بأنهم أشعلوا حرائق في جزيرة صقلية من أجل الحصول على مكافآت مالية عند إطفائها.

1
سرب من مروحيات مكافحة الحرائق خلال التزود بالمياه قبالة شاطئ بيفكي في جزيرة إيفيا اليونانية

واتهمتهم السلطات بالتزوير، بعد حصولهم على مكافآت إطفاء مالية تبلغ 12 دولاراً في الساعة. وبدأت السلطات التحقيق آنذاك عندما لاحظ مسؤولون في مقاطعة راجوسا أن عدد الحرائق يزداد ثلاثة أضعاف حينما يكون ذلك الفريق خصوصاً في العمل.

وكشفت وسائل إعلام محلية آنذاك أن قائد فريق المتطوعين يذهب في شاحنته لإشعال الحرائق، بينما يتستر زملاؤه على غيابه، ليتوجهوا بعد فترة وجيزة الفريق لإخماد الحرائق على نفقة الدولة.

صراع سياسي

في عام 2016، وخلال حملته الانتخابية، قال الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب إن «الاحتباس الحراري العالمي خدعة هدفها إضعاف الصناعة الأمريكية»، متعهداً آنذاك «بإلغاء» اتفاق باريس.

ومع اشتعال المنافسة الانتخابية بين ترامب وبايدن في عام 2020، اشتعلت أيضاً الحرائق في كاليفورنيا، مؤججة التصريحات السياسية بينهما خصوصاً فيما يخص التغير المناخي.

وفيما تحول تركيز حملة الانتخابات الأمريكية إلى الحرائق في سبتمبر/ أيلول 2020، قال الرئيس الحالي -المرشح الرئاسي آنذاك- جو بايدن، إن أمريكا لن تكون في مأمن من تداعيات كوكب ترتفع حرارته ما لم تنتخب «رئيساً يحترم العلم»، وذلك بعدما أتت حرائق هائلة في ولايات كاليفورنيا وأوريجون وواشنطن على أكثر من مليوني هكتار من الأراضي، مودية بحياة عشرات الأشخاص.

لكن ترامب أصر على موقفه من أن الحرائق تعود لسوء إدارة الغابات، ما يجعلها أكثر عرضة للاشتعال، موضحاً، أنه «يجب أن تكون هناك إدارة قوية للغابات، فعندما تسقط الأشجار تصبح بعد فترة من الزمن، جافة جداً. في الحقيقة إنها تصبح مثل أعواد الثقاب (الكبريت).. تنفجر فحسب».

1
جزائريون يتابعون الدخان المتصاعد من أحد الحرائق قرب العاصمة

حرائق الأمازون

خلال العقد الماضي كان العالم مشغولاً بالعديد من الأحداث، سواء على مستوى التغيرات السياسية في الشرق الأوسط، أو الصراع الاقتصادي الذي أشعله ترامب مع الصين، لكن حرائق غابات الأمازون في 2019 كانت أيضاً تحت بؤرة الضوء البيئية، حيث دعت الأمم المتحدة وفرنسا في ال23 من أغسطس / آب (2019) إلى التحرك العالمي لحمايتها في ظل استعار الحرائق فيها.

الرئيس البرازيلي جاير بولسونارو اتهم آنذاك «منظمات غير حكومية» بالمسؤولية عن اشتعال النيران، قبل أن يتراجع لاحقاً، موضحاً أنّه «بالإمكان توجيه اتهامات واسعة تشمل المجتمعات المحلية والسكان وكبار مالكي الأراضي، ولكن الشبهات الكبرى تقع على المنظمات غير الحكومية».

وقال إنه «ثمة احتمال لا أستطيع تأكيده بأن يكون ذلك مرده إلى خطوات إجرامية من هؤلاء الناشطين في المنظمات غير الحكومية بهدف التجييش ضدي وضد الحكومة. هذه الحرب التي نواجهها». ولم يقدم جايير بولسونارو أي أدلة على اتهامه للمنظمات غير الحكومية، لكنه أشار إلى أن هذه الأخيرة «تعاني نقصاً في الموارد المالية، بينما الرهاب البيئي يمنعنا من العمل».

وجاءت تصريحات بولسونارو تعليقاً على اعتقال أربعة من رجال الإطفاء المتطوعين من ولاية بارا الشمالية، بعد اتهامهم بإشعال النيران للحصول على تبرعات للمنظمات غير الحكومية.

11
الأدخنة الكثيفة تتصاعد من حرائق غابات الصنوبر في بيكارا جنوبي إيطاليا

تحذير شديد

من جهتهم، وجه خبراء المناخ في الأمم المتحدة في تقريرهم الذي صدر مؤخراً تحذيراً شديد اللهجة، موضحين أن البشر مسؤولون «بشكل لا لبس فيه» عن الاضطرابات المناخية و«ليس لديهم خيار سوى تقليل انبعاثات غازات الدفيئة بشكل كبير» إن أرادوا الحد من التداعيات.

وقالت إنجر اندرسن مديرة برنامج الأمم المتحدة للبيئة «تكلموننا منذ أكثر من 30 عاماً عن مخاطر احترار الكوكب. العالم سمع لكنه لم يصغِ. لا أحد بمأمن والوضع يزداد سوءاً وبسرعة متزايدة».

وأكد التقرير أن بعض عواقب الاحترار المناخي «لا يمكن عكس اتجاهها» على أي حال، لافتاً إلى أنه تحت تأثير ذوبان الجليد القطبي، سيستمر مستوى المحيطات في الارتفاع «لقرون؛ بل لآلاف السنين». أما البحار التي ارتفعت مستوياتها 20 سنتيمتراً مُنذ عام 1900، فما زال من الممكن أن ترتفع بنحو 50 سنتيمتراً بحلول عام 2100.

وللمرة الأولى، تشير الهيئة الدولية إلى «عدم القدرة على استبعاد» حدوث «نقاط تحول»، مثل ذوبان الغطاء الجليدي في أنتاركتيكا أو موت الغابات، ما قد يؤدي إلى تغيير جذري للنظام المناخي وغير قابل للعلاج.

أما رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، فقال: «نعرف ما ينبغي علينا القيام به للحد من الاحترار المناخي أي أن نتخلى عن الفحم وننتقل إلى مصادر الطاقة المتجددة وحماية الطبيعة وتمويل المناخ».

وأكد الموفد الأمريكي الخاص لشؤون المناخ جون كيري: «لا يمكننا الانتظار... على كل الدول اتخاذ تدابير جريئة»، فيما رأت المفوضية الأوروبية «أن الوقت لم يفت من أجل لجم هذا الاتجاه».

وقال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش: إن هذا التقرير «يجب أن يعلن نهاية الفحم ومصادر الطاقة الأحفورية قبل أن تدمر كوكبنا» معتبراً أن مصادر الطاقة هذه وقطع أشجار الغابات «تخنق الكوكب».

دحض المزاعم

وفي محاولة لدحض المزاعم حول ملقي اللوم على مجموعات «الإرهاب البيئي»، قال البروفيسور مايك روجرسون كبير المحاضرين في علوم «نظام الأرض» بجامعة «هال» البريطانية، إنه حان الوقت لشرح الأشياء ب«الأبيض والأسود».

الادعاء الكاذب

ورداً على ما وصفه بالادعاء الكاذب بأن «تغير المناخ جزء من دورة طبيعية» أوضح روجرسون في مقال نشره موقع الجامعة: «نعم هناك دورات طبيعية. على سبيل المثال يحب منكرو (التغير المناخي) الإشارة خصوصاً إلى اللوحات الزيتية الهولندية التي تعود إلى القرن السابع عشر كدليل على العصر الجليدي الصغير، لأنها غالباً ما تصور البحيرات المتجمدة، لكن الأمر بالطبع لا يستغرق سوى بضعة أيام حتى تتجمد البحيرة، بينما التغيرات في ال40 عاماً الماضية كبيرة جداً وسريعة للغاية. في الواقع، أقوى الدورات التي نعرفها تدفعنا ببطء نحو مناخ أكثر تطرفاً».

وتابع أن «هناك مشكلة أخرى تتعلق بالدورات الطبيعية وهي أن الناس ينظرون إلى حجم عينة صغير جداً، فالشتاء البارد في الولايات المتحدة لا يدحض تغير المناخ... هل تحققت لترى مدى سخونة الطقس في آسيا في الوقت نفسه؟»، مشيراً إلى أننا «بحاجة إلى النظر على مستوى العالم ولفترة أطول مما نتذكره في العامين الماضيين».

وتابع أنه «قبل كل شيء، انظر ببساطة إلى المتوسط السنوي لدرجة حرارة سطح الأرض في جميع أنحاء العالم، منذ عام 1910 إلى عام 2010»، مشيراً إلى أن «الحقيقة هي أن معدل تغير المناخ يضع ضغوطًا هائلة على بيئاتنا».

حرائق غابات الأمازون
حرائق غابات الأمازون

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"