الحماس البريطاني اللافت لقضية المناخ

22:42 مساء
قراءة 3 دقائق

د. محمد الصياد*

من يتابع التطور التاريخي للموقف البريطاني من قضية تغير المناخ، سيدهشه هذا الحماس اللافت لتصدر المشهد العالمي في هذا المجال. فقد طرحت بريطانيا ونفذت خططاً طموحة للتحول نحو قطاع الطاقات «النظيفة»، بعيداً عن قطاعات الطاقة التقليدية، لاسيما الفحم والنفط والغاز. ويمكن اعتبار عام 2008، بداية التحول البريطاني الجذري من قضية تغير المناخ، أي أن الأمر استغرق حوالي 16 عاماً (منذ توقيع اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية لتغير المناخ UNFCCC عام 1992 - لإحداث هذا التحول. ففي عام 2008، تم تشريع قانون تغير المناخ في مجلس العموم بأغلبية ساحقة (463 صوتاً مع و3 أصوات ضد)، والذي ألزم الحكومة بخفض انبعاثات الغازات الدفيئة الوطنية بنسبة 100% على الأقل من مستويات عام 1990 (صافي الصفر) بحلول عام 2050؛ كما ألزمها بالموافقة على تخصيص «ميزانيات الكربون» المؤقتة لمدة خمس سنوات. وهي ميزانيات مكرسة لأخذ الدولة تدريجياً نحو هدف ال 100% بأقل تكلفة ممكنة. بل إن الحكومة البريطانية استماتت كي تنتزع من إيطاليا شرف استضافة مؤتمر الأطراف المقبل (COP-26) في مدينة جلاسجو الاسكتلندية خلال الفترة 1-12 نوفمبر 2021. وهي اليوم صاحبة الصوت الأعلى الذي لا يفوت فرصة للدعوة للتخلص نهائياً من الفحم كمصدر لإنتاج الطاقة.

فما الذي يدفع بريطانيا لهذا الحماس المتدفق لسرعة إحلال الطاقة المتجددة محل الطاقات التقليدية القائمة على الوقود الأحفوري؟ فبريطانيا، دولة منتجة للنفط والغاز. تنتج حوالي مليون برميل يومياً من النفط الذي تبلغ احتياطياته حوالي 2.7 مليار برميل؛ وتنتج حوالي 1.7 مليار قدم مكعبة من الغاز يومياً، باحتياطيات تبلغ حوالي 7.32 تريليون قدم مكعبة. وهي واحدة من الدول الرأسمالية الكبرى القليلة التي تحوز واحدة على الأقل من كبريات شركات النفط العالمية، وهي شركة بريتش بتروليوم (BP)، إحدى شركات النفط العالمية السبع الكبرى؛ إلى جانب شركة أخرى عالمية أيضاً، هي شركة رويال داتش شل، التي تعد خامس أكبر شركة في العالم لجهة الرسملة؛ وهي شركة بريطانية هولندية مشتركة تمتلك شركة «شل» للنقل والتجارة المسجلة في المملكة المتحدة، حصة 40٪ في المجموعة، والنسبة المتبقية البالغة 60% مملوكة لشركة رويال داتش الهولندية. وتولد صناعة النفط والغاز فوائد اقتصادية لبريطانيا. فهي دفعت، على سبيل المثال، للخزينة العامة، منذ عام 1970، ما يقرب من 330 مليار جنيه استرليني كضريبة إنتاج؛ وتؤمِّن حوالي 280 ألف وظيفة داخل بريطانيا من خلال إنتاج النفط والغاز. فضلاً عن خدمة الصناعة لسلسلة من القطاعات والأنشطة المحلية؛ وتساهم بحوالي 12 مليار جنيه استرليني في الميزان التجاري البريطاني، من صادرات السلع والخدمات إلى بقية العالم.

كما لا ننسى أن الحزب الحاكم في بريطانيا حالياً، وهو حزب المحافظين، هو تقريباً نفس الحزب الجمهوري (المحافظ) في الولايات المتحدة الأمريكية، المناوئ لنظرية تغير المناخ. لكن من الواضح أن موقف الحزبين من قضية المناخ متغايران. فالحال، أن بريطانيا لم تعد، كما الولايات المتحدة، مثقلة بعبء قطاعها النفطي الضخم والبالغ التأثير في الاقتصاد. فقد عادت الولايات المتحدة لتكون دولة نفطية وغازية تتصدر الإنتاج النفطي العالمي بأكثر من 14 مليون برميل يومياً، والعودة لمزاحمة مصدري الغاز في العالم، بعد ثورة الغاز الصخري الذي أنشأت له بنية تحتية متكاملة لتصديره، لاسيما الغاز الصخري بواسطة الناقلات، وليتحول اقتصادها النفطي والغازي من جديد لموتور حركتها الاقتصادية، لاسيما على صعيد الاقتصاد الحقيقي (الإنتاجي). في حين نجد على المقلب الآخر، أن بريطانيا، ما أن خرجت من الاتحاد الأوروبي، حتى أنشأت نظامها الخاص لتجارة الكربون (Emission Trading System –ETS)، الذي طُبق إلزامياً على ذات الصناعات المطبق عليها في الاتحاد الأوروبي، والتي بوسعها الحصول على شهادات الانبعاثات وتداولها بسعر السوق، بما يعني تحديد سعر لانبعاثات الكربون؛ وهو سعر حددته الحكومة كحد أدنى عند 18 جنيهاً استرلينياً للطن حتى عام 2021 الجاري. وفي الشق المتعلق بقطاع النقل في خطة التحويل الهيكلي لقطاع الطاقة، فرضت الحكومة البريطانية على سائقي السيارات ضريبة رسوم على وقود الطريق الذي يحرقونه؛ وحددت نهاية لبيع السيارات والشاحنات الصغيرة التي تعمل بالبنزين والديزل حتى عام 2030. وفي لائحتها للتخلص من الوقود الأحفوري، حددت أيضاً عام 2024 كموعد لنهاية استخدام الفحم لتوليد الطاقة. وكانت حصيلة كل ذلك، أنه في عام 2020، تم توليد 42% من الكهرباء في بريطانيا من مصادر الطاقة المتجددة مقارنة ب41% من الوقود الأحفوري.

أما عن سبب هذا الحماس البريطاني لقضية المناخ، فنرده أولاً إلى أن احتياطياتها من النفط ستنضب بعد 5 سنوات، واحتياطياتها من الغاز خلال ثلاث سنوات، وفقاً لمعدلات استهلاكها الحالية. وثانياً، لأن شركات النفط البريطانية صارت جزءاً من خطة التحول الهيكلي البريطانية في مجال الطاقة.

*كاتب بحريني

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"