حتى المبادئ تحتاج إلى الاعتدال

00:12 صباحا
قراءة دقيقتين

الكثير من الشؤون الحياتية تتطلب الاعتدال، بمعنى لا إفراط ولا تفريط، تتطلب المنح ولكن دون إسراف، تتطلب الاهتمام دون تحمل أعباء الآخرين، تتطلب السعي دون الاستماتة، تتطلب بذل الجهد دون قتل النفس، تتطلب الجد دون التطرف.. وهكذا، فإننا نجد الكثير من الجوانب الحياتية لها متطلبات، منها التشجيع على الإقدام عليها والتعاطي معها، ولكن الإسراف في منح هذه الجوانب الاهتمام والرعاية المبالغ فيها قد يجعل النتائج عكسية أو يجعل الفائدة مضرة وتسبب الألم.
 حتى في مجالات الجد والاجتهاد الدراسي عندما يتحول لاستذكار متواصل وجهد لا يتوقف، فإن الطالب يصل إلى مرحلة من المرض النفسي تتعلق بالخوف، وهو ما يؤدي به إلى الإخفاق والفشل في نهاية المطاف، بل وقد تستمر معه الأعراض النفسية. في مجال الوظيفة والعمل، عندما نجد موظفاً مجتهداً ويؤدي عمله بشكل دقيق ومهارة كبيرة، يمدح ويثني عليه، لكن عندما يتحول العمل إلى هوس يقضي الساعات الطويلة دون انقطاع، فإنه يخشى عليه في نهاية المطاف الإعياء والتعب ثم تدني الإنتاجية. 
حتى القيم والمبادئ الجميلة الرافدة للحياة الإنسانية الراقية، إن تم الإسراف فيها وتجاوز المعقول تتحول إلى فعل غير مستحب أو ممارسة خارجة عن النطاق السليم الصحي. مثلاً، الكرم إن تجاوز الحد المعقول والمنطقي بات إسرافاً وتبذيراً مذموماً، وبات سلوكاً ينم عن السفه والنقص. وإن أمعنا النظر، فإن الكرم خصلة لا توجد في كل إنسان، ومع هذا بمجرد أن يمارس بانفلات ودون تقنين ووعي، فإنه يتحول من صفة مدح إلى صفة ذم، ومن سلوك نبيل وراقٍ إلى سلوك شائن ومضر.
 بين يدي مقولة تنسب لمؤرخ وقاضٍ خلال الحقبة اليونانية اسمه بوبليوس كورنيليوس تاسيتوس، جاء في تلك المقولة: «الصراحة والكرم، إذا لم يصحبهما الاعتدال فإنهما يؤديان بصاحبهما للخراب». والكلمة السحرية هي الاعتدال، ويمكن وضع تحت كلمة الاعتدال ألف وصف وشرح، فهي التوسط والتعقل والمنطق والفعل الصحيح...إلخ. في نفس تلك المقولة، يتحدث عن الصراحة، والصراحة متطلب حياتي مهم، ولكن يفوت على البعض أن لها وقتاً وحدوداً، حتى لا تكون جارحة، وبلا هدف وغاية، أو حتى لا تأتي تحت بند تصفية الحسابات والتقليل من شأن الآخرين تحت شعار الشفافية والوضوح.

[email protected]
 www.shaimaalmarzooqi.com

عن الكاتب

كاتبة وناقدة إماراتية ومؤلفة لقصص الأطفال وروائية. حصلت على بكالوريوس تربية في الطفولة المبكرة ومرحلة ما قبل المدرسة والمرحلة الابتدائية، في عام 2011 من جامعة زايد بدبي. قدمت لمكتبة الطفل أكثر من 37 قصة، ومتخصصة في أدب اليافعين

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"