في الشوق

00:08 صباحا
قراءة دقيقتين

في كل مرة أتذكر كلمات جوزيف حرب التي غنتها فيروز: «بشتقلك لا بقدر شوفك ولا بقدر أحكيك بندهلك خلف الطرقات وخلف الشبابيك بجرب إني أنسى بتسرق النسيان» أتساءل: كم مرة اشتقنا لأحدهم من غير أن نستطيع رؤيته، الشوق الذي يجثم على الصدر قوياً قادراً على تهشيمه والرقص على أضلاعه المتكسرة؟ الشوق الذي يحطم اللحظة الآنية ليجعلنا نتماهى مع ذكريات من الماضي لا تنفك تشاركنا وحدتنا وعزلتنا.
في الشوق متسع من التسامح، من المحبة العظيمة التي تكبر كلما باغتنا، وحين نشعر بالشوق لأحد لا نستطيع رؤيته بسبب وفاة أو لأي سبب آخر، نشعر كأن هذا الشخص ما أذانا يوماً، ولا كان أقل من توقعاتنا أبداً.. أتذكر حين قال لي أحد الشعراء يوماً: حين نفقد شخصاً عزيزاً لا يمكننا تذكر أخطائه أبداً وكأن الفقد كان بمثابة ممحاة تبيّض كل صفحاته، فلا يحضرنا منه إلا جميله وجماله.
لا يمكننا تفسير الشوق أحياناً، لا يمكننا تعريفه، أو محاولة معرفة أسباب انقضاضه علينا وإلحاحه في أوقات دون غيرها.
من الطبيعي أن نشتاق لعزيز غاب فأوجع القلب، ولحبيب أهلك الروح بغيابه، لكن أحياناً نشتاق لأشخاص عرفناهم قليلاً، والتقيناهم مرة أو اثنتين، نشتاق لهم وكأنهم في تلك اللحظة أقرب القريبين، أو نشتاق لأماكن كانت بمثابة جنة بسبب صحبة استثنائية حظينا بها فيها، فالشوق للمكان أيضاً قاسٍ.
نشتاق للمكان بقدر شوقنا للأشخاص، فبعض الأماكن تترك أثراً في القلب أشبه بوردة.. بعضها نستذكره بمجرد أن نشم عطراً معيناً أو نسمع موسيقى بعينها.. نستذكر المكان لارتباطه بأشياء صارت محببة بسببه، أو يصبح ذاك المكان قريباً من الروح بسبب صدفة أو صحبة أو موسيقى أو حدث.
الشوق.. ذلك الشعور المألوف جداً عند كل شخص يمتلك قلباً نابضاً، الشعور الذي يجعلنا في كل مرة نتنهد أو نبتسم أو نضحك أو نبكي.. هل نصل يوماً إلى ابتكار عقار يجعلنا نبعده عنا في كل مرة يدمي مشاعرنا أو يتخللها بقسوة؟
[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/bjf4yy