نشرت قناة «الجزيرة الوثائقية» قبل أيام تقريراً مصوراً من سلسلة «أخوات الأرض» يروي قصة نساء بولنديات قررن مغادرة المدن لينقذن البلاد من النباتات المعدلة وراثياً، مؤكدة أنهن لسن مجرد نساء جاهلات أو فاشلات قررن الذهاب للجبال والقرى هرباً من الفشل، بل هن متعلمات كن يعملن في مجالات شتى ويتقلدن مناصب عليا في المدينة.
العودة إلى الأرض والطبيعة ليست حصراً على هذه المجموعة، بل مازلنا نسمع عن كثيرين حاولوا تغيير روتين حياتهم اليومي ورفض الإسفلت الذي طال الأرواح قبل الشوارع حتى غدت حياتنا جامدة مصطنعة، بل ودخل التصنيع حتى في مخرجات الأرض من خُضَر وفاكهة.
وإذا ما تساءلنا عن الدوافع التي تدفع مثل هؤلاء للابتعاد عن الصخب اليومي والحياة المعلبة سنجدها كثيرة، أهمها، بل وربما أولها هو انتشار الأمراض التي تتفنن كل يوم في إظهار عجز الطب عن مجابهتها، أمراض نفسية وجسدية لا يمكن التغافل عنها أو تجاهلها، ثم هذي الحياة الرتيبة المليئة بالملوثات والصراعات والسباق مع كل شي حتى مع الوقت.
وبالرجوع لما كتبتُ أعلاه، لا بد من الانتباه إلى ضرورة العودة للطبيعة في ما يخص الغذاء، فحتى البذور صارت مهجنة ومعدلة وراثياً تدخّل الإنسان في تصنيعها كي ينتج سلالات أفضل من حيث جودة الطعم والشكل وكمية المنتج، دون الالتفات إلى ما قد ينتج من ذلك التدخل وهو ما قد تثبته الأبحاث بعد سنوات، هذا فضلاً عن استخدام كل تلك المنتجات الكيميائية في الأسمدة والمبيدات، بل وفي الأوساط الزراعية والأصص.
وبرغم كل هذي الثورات الصناعية في المجال الزراعي، إلا أن هناك الكثير من المزارعين والهواة ممن فضلوا العودة إلى الزراعة العضوية وبعضهم أنشأ مزارعه التي لا تدخلها أي مواد كيميائية لتكون رافداً نظيفاً للسوق المحلية خوفاً على صحة البيئة والبشر، فيما اكتفى بعضهم بحدائقه المنزلية التي تكفيه احتياجه طوال الموسم الزراعي الذي يمتد إلى ستة أشهر ويزيد.
نحن بحاجة لتشجيع كل هؤلاء الهواة والمحترفين المشتغلين في المجال الزراعي كي نرفع مستوى الوعي ومستوى الصحة العامة في البلاد.
[email protected]
لا يمكن للشعر أن يكون وليد لحظته التي ينشد بها أبداً، هو فعل تراكمي، ينتج بعد أن يتعتق في الروح قبل القلب.
هذا ما يمكن التأكد منه حين تقرأ كتاب «الفلاح الفصيح» للكاتب علي سلطان الخليف، والذي كتبه في سيرة والده، إذ يمكن ملاحظة ذلك بشكل جليّ من خلال رحلة والده الشاعر الفلاح الذي وُلد وترعرع بين نخيل الأحساء وجبالها، ثم ارتحل إلى البحرين بعد جفاف مزارع قريته. وعمل بجدٍّ في مزارعها، واكتشف بعد سن الأربعين شاعراً في قلبه، فحوّل تعب السنين إلى قصائد عامية تفيض بالحكمة والوفاء.
وقد أثبت هذا الشاعر أن العطاء الإنساني والإبداع لا يرتبطان بسن معينة. ففي الوقت الذي قد يظن البعض أن قطار الحياة قد مضى، كان هو يغرس أولى قصائده، لتنمو وتزهر كالنخيل الذي طالما رعاه، ليترك إرثاً شعرياً يعكس أصالة الإنسان الخليجي.
فكانت رحلته للبحرين محطة تأمل عميقة صقلت روحه الهادئة. بين أشجار النخيل في قرى البحرين الممتدة، كان يستذكر أحساءه، وتتراكم في قلبه المشاعر والصور، وتختمر في صدره معاني الشعر والحنين.
كانت قصائده تعبيراً صادقاً عن رحلته؛ فكتب عن الحنين إلى مرابع الصبا في الأحساء، وعن لوعة الفراق، وعن حبه للأرض وشغفه بالنخيل، وعن يوميات الفلاح البسيط، وحبه لتعاليم دينه وأخلاقيات بيئته وتعلقه بالله ورسوله.
من خلال مواويله التي أنشدها يمكن لأي قارئ أن يتعرف على مدى ارتباطه بالأرض والطبيعة فالأرض بالنسبة له ليست مصدراً للرزق فحسب، بل كانت مدرسة لتعلم الصبر، والوفاء، والتأمل في تعاقب الفصول.
كتب علاقته بالله ورسوله وأهل بيته، وكان إيمانه واضحاً في نصوصه، وثقافته جلية في حسن انتقائه للكلمات ذات المفردة الواحدة والمعاني المتعددة.
صدح بالشعر حنيناً وإيماناً وحكمة ونصيحة، فهو العمّ الذي يخاطب في قصائده ويستهلّها بندائه كما كان الشعراء القدماء يفعلون، أو بالشكوى لله ولأحبّته، وهو الذي ينهي قصيدته بالحكمة تيمّناً بأسلافه، أو بالصلاة على الرسول وأهل بيته كما في نصف قصائده تقريباً.
لغته التي يكتب بها عميقة برغم «عاميّتها» يعرف أي مفردة يختار لهذا المعنى دون غيرها، برغم أنه يترجّلها في اللحظة وإن دل على شيء فهو يدل على فصاحته وعمق رؤيته.
[email protected]
حين وصلتني دعوة من اتحاد كتاب وأدباء الصين للمشاركة في مهرجان الشعر للشباب، في الفترة 7-17 مايو، تردّدت كثيراً، ودارت في بالي الكثير من الأسئلة والمخاوف: كل تلك المسافة من البحرين إلى الصين، وأنا التي تحب السفر لكنها تكره الطائرات، لغة لا أعرف منها ولو كلمة واحدة، شيء مجهول لكنه معروف في الوقت ذاته، فأنا أعرف شيئاً بسيطاً عن هذي الحضارة وهذي الثقافة، وأعرف أن الشعب الصيني شعب ودود جداً، ومتعاون، وأن الصين بلد متطور، ولهذا قررت قبول الدعوة التي فتحت عيني على عالم جميل، وأدخلتني تجربة مختلفة.
سافرت كثيراً من قبل، وحضرت الكثير من مهرجانات الشعر في أكثر من 25 دولة، عربية وعالمية، كشاعرة مشاركة فيها، لكن هنا كان الأمر مختلفاً.
منذ وصلنا الصين ونحن محاطون بلطف لا متناهٍ، ترافقنا دهشة غير مسبوقة، فمع كل شاعر وضيف من العرب مرافق صيني يتحدث العربية من طلبة الجامعة المتطوعين، فلم نشعر بغربة في اللغة، والقصائد التي سمعناها من شعراء الصين كانت جميلة جداً، وقريبة من القلب من خلال ترجمة استطاعت أن توصل لنا المشاعر كما ينبغي، فلم نشعر بأنها من ثقافة وخلفية حضارية مختلفتين.
البرنامج كان حافلاً ومتنوعاً في مقاطعتي غوانجو وبكين، خصوصاً حفل الافتتاح الذي كان باهراً، وأمسية سور الصين العظيم التي كانت مختلفة ومميزة، إضافة للعرض الذي شاهدناه في قاعة الأوبرا الوطنية.
والأماكن التي زرناها عرفتنا بالكثير عن هذا البلد العصامي الذي استطاع أن يصبح قوة عالمية عظمى، حتى سور الصين العظيم الذي عرفناه منذ طفولتنا، أدهشنا حين بدا أكثر روعة مما ظننّا، فوقفنا في حيرة: كيف لإنسان لا يملك آلات أن يبني سوراً بهذي الضخامة؟
التنظيم كان رائعاً جداً، والجهود التي قام بها المنظمون جبارة، فشكراً للصين على هذه الفرصة.
[email protected]
لأن الذاكرة البشرية هشة وقابلة للنسيان، ولأن الحياة تمر سريعاً جداً، فلا يبقى الفرح إلا لحظات، ولا يبقى اللقاء إلا هنيهات، يتكئ الإنسان على الصورة، باعتبارها العكاز الذي تتعكز عليه ذاكرته لتستعيد كل تلك اللحظات الجميلة والذكريات السعيدة.
الصورة ليست مجرد تجميد للحظة، ولا ترفاً يسعى المرفهون للحصول عليه ممن يملكون وقتاً «لإضاعته» في التقاط صورة هنا وأخرى هناك، بل هي تخليد لذكرى صنعتها لحظة سعادة، أو لحظة إنجاز أو لقاء لن يتكرر، هي الحارس الذي يؤتمن على الابتسامات كلها، نسترجعها ما إن نشاهد الصور ولو بعد حين.
هي بمكانة بيانات عاطفية وخرائط شعورية، توثق تلك اللحظات التي شعرنا فيها بالحب والانكسار والفرح والدهشة.
هي وسيلة لاستعادة المرء نفسه حين يشعر بالضياع، فما إن يتجول في ألبوم صوره، حتى يتذكر كل ما كان، ويعرف هويته التي غابت عنه فيستعيد رباطة جأشه ويمضي قدماً.
والصورة ليست مجرد أرشيف شخصي، أو مستودع للذاكرة الفردية، بل هي دليل كامل على حياة أمم وشعوب، فمن خلالها يمكن للباحث أن يتعرف إلى عادات حقبة ما، من حيث نوعية الملبس والمأكل والتصميم العمراني والثقافة العامة، يمكن لتلك الصور التي التقطت في لحظات عفوية، أن تكون دليلاً شاملاً يبنى عليه، يؤرخ المطبخ لهذا الشعب وطرائق المعيشة والأولويات والتطور في كل جوانب الحياة، ولو كانت صوراً مشوشة غير واضحة كالصور التي نراها لدى أجدادنا بالأبيض والأسود، وهي وسيلة، ليعود المرء لجذوره شامخاً، حين يرى بعينيه كفاح أسلافه وطريقة حياتهم، يرى أجداده الذين لم يلتق بهم في الحياة، بسبب رحيلهم المبكر قبل وجوده فيها، فتكون مرساة تثبت الجيل الجديد، ليعرف هويته الحقيقية.
نحن بحاجة إلى الصور، بحاجة لتلك الصور التي تجمعنا بكل من نحب، وبحاجة إلى مشاهدة صور من غادروا، كي لا تضيع ملامحهم في زحمة الذاكرة، فلا تلوموا من يكثر التصوير، لأنه سيكون أرشيفاً لكل من غابوا في يوم ما.
قبل يومين أعلن خبر وفاة سيدة الشاشة الخليجية الفنانة حياة الفهد، رحمها الله. كان الخبر متوقعاً مع تدهور حالتها الصحية لفترة طويلة، لكنه نزل ثقيلاً على محبيها ومحبي الفن الخليجي وفن الزمن الجميل.
من منا لا يتذكر «إلى أبي وأمي مع التحية»، و«خالتي قماشة»، و«رقية وسبيكة» و«خرج ولم يعد» و«أبلة نورة» وغيرها من الأعمال التي أجادت أدوارها فيها بشكل مقنع جداً، حتى ظنناها كل تلك الشخصيات؟ وفي كل مرة كنا نُصدم لقدرتها على تقمص الدور بشكل يجعلنا نعتقد بأن هذه هي شخصية الفنانة الحقيقية برغم كونها شخصيات متناقضة تماماً ومختلفة كلياً.
يتذكر الجميع حياة الفهد باعتبارها الفنانة التي قدمت الكثير للشاشة، لكنّ قليلاً منا يعرف أنها أيضاً شاعرة كتبت الشعر وأصدرت مجموعة شعرية في السبعينيات، إضافة لكونها كاتبة سيناريو.
الفنانة التي كانت تشبه صور أمهات وجدات الكثيرين، إذ كانت تحترم عمرها وتقدره ولم تخضع لعمليات التجميل التي غيرت ملامح كثيرات من الفنانات حتى توقف عندهن العمر ولم تعد أشكالهن قادرة على مواكبة ذاكرة الأجيال وعقولهن.
رحلت حياة الفهد التي كانت تعبر عن هموم الكثير من الناس، وتجسد مخاوفهم بكل صدق ومن غير تكلف، حتى عاشوا معها أدوارها في جميع البيوت فكان بيتها في كل مسلسل جزءاً من بيوتهم وكانت عائلتها جزءاً من عوائلهم.
برحيلها فقدت أجيال متتالية إرثاً درامياً قد لا يتكرر، وفقدت الشاشة سيدة لا يمكن تكرار حضورها بكل هيبته وصدقه وعفويته وكوميدياه.
رحلت ومازالت تشكل مساحة كبيرة من الذاكرة والحضور؛ فقد ارتبطت أجيال بعبارات على لسانها من مسلسلاتها، وبمقاطع فيديو لا يمكن تجاوزها، وبصور لها في أدوارها تحولت لملصقات في مواقع التواصل والدردشات، وبعضها تحول لرسومات على كثير من المنتجات التجارية، كيف لا وهي حياة الفهد رحمها الله وغفر لها.
يشعرنا الفقد بأننا مجرد غيمة، أو ربما حلوى غزل البنات التي أحب اسمها، لكنني أكرهها.
نتفكك ونتلاشى، ونتحول لكائنات هلامية عند نزول الدمعة الأولى.
الفقد الذي كلما نزل على قلب، أحاله صفيحة صدئة على شاطئ مهجور، يركلها البحر بلا اكتراث، ويتركها تصدأ تحت عواء الريح.
نصير غباراً لا يرى، لكنه يعكّر زجاج النوافذ، أو صوت انكسار في بيت عائلة صماء.
الفقد الذي لا يربي الشوق، بل يروضه ليصير جلاداً يجلس في زاوية الروح، ويصفق كلما تذكرنا شيئاً جميلاً.
صارت قلوبنا أرشيفاً للغياب، ونحن لا نعرف إن كنا نتنفس، أم أننا نفتح صدورنا للعاصفة.
نكتب كثيراً، نجالس الصمت، كأنه آخر من تبقى من العائلة، وتربّت على الوحدة.
نضع أكفنا على صدورنا، فلا نسمع النبض، بل صوت الأسماء التي لا تجيب.
نحدق في أسقف الغرف، نبحث عن شق صغير، يهرب منه الضوء، أو يعود منه من رحلوا، ولو على هيئة ظل ناعم، أو رائحة مألوفة تشبه نسياناً لطيفاً.
نشرب الماء كأننا نطفئ حريقاً داخلياً. نرتب أشياءنا ببطء كمن يجهز بيته للغرق، ويبتسم.
نرسم دائرة لا نتذكر أين نقطة بدايتها، نعلّق فيها صور من رحلوا وتركونا نواجه الحنين من بعدهم كأوراق خريفية في مهب ريح صيف عابرة.
الفقد الذي لا يتوقف وكأنه في سباق مع القلوب، يشعلها ويطفئ فيها النبض ويمضي ليحل مرة أخرى كعاصفة أو سكون.
الفقد الذي يتعملق وحشاً ليخطف من أحبونا ومن أحببنا، ومن كنا معهم ذات لقاء ولو عابر، وتقاسمنا معهم الضحكة والنظرة والكلمة، يجيء لينتقي الأجمل والأنقى ويمضي علّه يحسن صورته البشعة ولا يكتفي.
يشعرنا الفقد أننا مجرد غيمة لا تمطر، لكنها تتبدد كلما انتابها شوق أو انقضت عليها ذاكرة.
[email protected]