الإمارات والشراكات الاستراتيجية

00:37 صباحا
قراءة 3 دقائق

د. ناجى صادق شراب

مفهوم الشراكة الاستراتيجية من المفاهيم الحديثة في أدبيات السياسة. وبدأ ظهوره مع عام 1987 وارتبط بمؤتمر التنمية والتجارة، ابتداء بالدلالات الاقتصادية والاجتماعية، وفي الآونة الأخيرة توسع المفهوم ليشمل دلالات سياسية وأمنية وعسكرية.

وابتداء لا بد لنا أن نحدد بإيجاز ماذا يعنيه المفهوم؟ المفهوم يتم بين فواعل دولية متكافئة لا توجد فجوة بين أطرافها، ولا توحيداً في أهدافها؛ بل تحترم كل دولة، الدولة الأخرى، وأيضاً لا تعني المناصفة في العوائد بقدر ما تهدف إلى كفاية تلك العوائد بأهداف أطرافها. ولا تفترض أساساً جغرافياً أو ثقافياً أو تاريخياً مشتركاً، وإنما وجود أهداف جديدة مشتركة. وهذه الشراكات الاستراتيجية بين الفواعل قد تترتب عليها تحولات في موازين القوى العالمية، وتنعكس على دور ومكانة الدول، ولها علاقة وثيقه بحالة الأمن والاستقرار ليس لأطرافها فقط. مثال على ذلك الاتفاق الموقّع بين بيل كلينتون والرئيس الروسي يلتسين 1994، واليوم فإن الصين في صعودها نحو العالمية لها أكثر من سبعين شراكة استراتيجية مع العديد من الفواعل الدولية.

الشراكة الاستراتيجية تفرضها التحولات الكونية العالمية والتحولات في خارطة التحالفات الدولية، وتفرضها ماهية التهديدات والمخاطر التي تواجه الدول، وتعكس رؤية القيادات السياسية لما بعد حدودها الجغرافية، فالدول تكبر بهذه الشراكات الاستراتيجية وتتعاظم منافعــها وتأثيرهــا في القرار الإقليمي والدولي.

في هذا السياق للعلاقات الدولية وتحولاتها، وفهم الدور الذي تتطلع له دولة الإمارات إقليمياً ودولياً، وفي سياق المخاطر والتحديات التي تواجه مسيرة صعود الدولة نحو العالمية، تأتي الزيارات الاستراتيجية التي يقوم بها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، للعديد من الدول وأبرزها مؤخراً فرنسا وبريطانيا وقبلها للنمسا والصين وروسيا والعديد من الدول، إضافة إلى الزيارات العربية التي تحظى بالأولوية وخصوصاً إلى مصر والسعودية.وهذه الزيارات تحكمها العديد من المحددات: أولاً، المكانة التي تتمتع بها الدولة، فمكانة الدولة ودورها لم يعد يقف عند الحدود الجغرافية، فالإمارات تصنف بالدولة الإيجابية الفاعلة، ويتجاوز دورها الحدود الجغرافية لحدود المصالح العليا التي تصل طموحاتها إلى الكونية. وثانياً رؤية القيادة للدور والمكانة التي تسعى إليها الدولة، فالقيادة هي من نمط القيادة الإيجابية النشطة الفاعلة والمؤثرة. وثالثاً هذا الدور والمكانة والرؤية لا تأتي من فراغ أو مجرد أحلام؛ بل هي انعكاس لقوة الدولة وما تملكه من عناصر القوة الشاملة الخشنة والناعمة، وخصوصاً القوة الاقتصادية التي تؤثر في القرار الاقتصادي العالمي. وهذا الدور أيضاً تحكمه منظومة من القيم والتراث والتقاليد السياسية الراسخة التي رسخها المؤسس الشيخ زايد، طيب الله ثراه، من قيم التسامح والخيرية والإنسانية والسلام. ولذلك نرى حضور الإمارات في كل مكان على الخارطة العالمية بتقديم المساعدات والمبادرة فيها. وما وثيقة الأخوة الإنسانية التي وقعت على أرضها إلا تطبيقاً لهذه القيم التي تضفي دوراً وقبولاً متزايداً لما تقوم به الدولة، وبمقاييس الدور تكفى الإشارة إالى ماذا يعنيه جواز سفر الدولة والذي يسمح لحامله بدخول كل دول العالم ليصبح جوازاً عالمياً.

ومن المحددات التي تقف وراء هذه الزيارات التغير والتبدل في خارطة التحالفات الإقليمية والدولية والتي لها شأن وعلاقة مباشرة بمستقبل منطقة الخليج العربي التي تعتبر من أكثر المناطق الاستراتيجية في العالم استهدافاً من قبل القوى الإقليمية والدولية، وهذا الاستهداف تتم مواجهته بأمرين،وهما أولاً تنمية وتطوير القوة الداخلية وهذا ما قامت به الدولة، والثاني ببناء شبكة من العلاقات الاستراتيجية مع كافة الدول المؤثرة والفاعلة وتربطها منافع مشتركة مع الدولة. والعامل الآخر الذي يقف وراء هذه الزيارات الاستراتيجية الأهمية الجيوسياسية التي تتمتع بها الدولة وتأتي في سياق الأهمية الجيوساسية لمنطقة الخليج العربي. وأيضاً في أعقاب الانسحاب الأمريكي من أفغانستان والشروع بالانسحاب من المنطقة، ولا تتم مواجهة هذا الفراغ بملئه بقوى أخرى، لكن بقوة الدولة وبناء شبكة من الشراكات الاستراتيجية. ويبقى أن دولة الإمارات وفي سعيها للقوة الشاملة تدرك أن القوة الخشنة في بعدها العسكري قد تكون محدودة جغرافياً، لكن القوة الناعمة والذكية لا حدود لها. وهذه الشراكات الاستراتيجية تغطي كافة العلاقات الاقتصادية والسياسية والأمنية والعسكرية، وتجعل من قرار الدولة أكثر استقلالية وتحرراً وسيادية.. إنها لحظة الخليج ولحظة الإمارات في التاريخ.

[email protected]

عن الكاتب

أكاديمى وباحث فلسطيني في العلوم السياسية متحصل على الدكتوراه من جامعة القاهرة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، ومتخصص في الشأن السياسى الفلسطيني والخليجي و"الإسرائيلي". وفي رصيده عدد من المؤلفات السياسية

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"