ساكن الإليزيه ينتظر!

00:20 صباحا
قراءة 3 دقائق

سليمان جودة

اختفاء المستشارة أنجيلا ميركل من المشهد السياسي الألماني، ومن دار المستشارية الألمانية التي شغلتها 16 عاماً متواصلة، لم يكن مفاجأة لها ولا لأحد داخل ألمانيا أو خارجها، لا لشيء إلا لأنها أعلنت عزمها عدم الترشح من جديد منذ عام 2018.

ولكن المفاجأة الحقيقية كانت في النتيجة التي حققها حزبها الديمقراطي المسيحي، عندما خاض السباق الانتخابي في السادس والعشرين من الشهر الماضي. فلقد حل ثانياً بحصوله على 24%‏ من أصوات الناخبين، فجاء بعد الحزب الاشتراكي الديمقراطي الذي حصل على 25%‏ من الأصوات.

ومعنى هذا أن حزب المستشارة لن يستطيع الحكم إلا بالتحالف مع الاشتراكي، ثم مع حزب الخضر الذي حل ثالثاً، أو مع الحزب الليبرالي الذي حل رابعاً، والسبب أن الحزبين الأول والثاني لا يستطيعان توفير أغلبية تزيد على الخمسين في المئة من مجمل الأصوات، ولا سبيل سوى تحالفهما مع حزب من الحزبين الثالث والرابع، أو تحالف أحدهما مع الثالث والرابع معاً.

وهكذا يبدو أن تشكيل الحكومة الجديدة سيكون عملية معقدة، وسيواجه صعوبات كبيرة، وسيستغرق الكثير من الوقت.

ومما يزيد الضغوط في اتجاه تشكيل الحكومة أن ألمانيا ستترأس مجموعة السبع في العام المقبل، وسيكون عليها أن تشكل حكومة ما بعد ميركل سريعاً؛ لأن رئاسة المجموعة مهمة ثقيلة، ولأنه لا وقت أمام الأحزاب الفائزة تُنفقه في غياب الحكومة.

وفي كل الأحوال ستتشكل الحكومة، إذا لم يكن اليوم فغداً، ولكن المشكلة ستظل في قدرة الأغلبية عندما تتشكل على اختيار المستشار الجديد؛ لأن الرجل الذي سيكون عليه أن يملأ مقعد المستشارة السابقة، إنما يجري انتخابه من البرلمان وليس من الناخبين في صناديق الاقتراع.

وليس هذا هو التحدي الوحيد الذي يلوح في الأفق أمام الألمان من خلال البرلمان الجديد حين تتشكل فيه أغلبية؛ لأن هناك تحدياً آخر هو مدى قدرة المستشار الجديد على أن يشغل دار المستشارية على طريقة ميركل، فالطريقة التي حكمت بها هي التي جعلت منها زعيمة لأوروبا دون منافس.

وعندما يفرغ الألمان من اختيار مستشار جديد، وحين يتحسس هذا المستشار الجديد مواطئ قدميه في دار المستشارية، سيكون على الحزب الديمقراطي المسيحي أن يسأل نفسه لماذا تراجع ترتيبه الانتخابي من الأول إلى الثاني، ولماذا انصرف عنه الناخب على النحو الذي جرى، ولماذا تفوق عليه الحزب الاشتراكي بخطوات؟ وسؤال آخر: هل كان حزب ميركل سيحصل على هذا الترتيب الثاني نفسه، لو أنها رشحت نفسها على رأسه ولم تعتذر عن عدم الترشح منذ وقت مبكر؟

وبمعنى آخر: هل كان الناخب الألماني في الانتخابات الأربع الماضية ينتخب ميركل أم كان ينتخب حزبها الديمقراطي المسيحي؟. الطبيعي أن الناخب في بلد مثل ألمانيا ينتخب حزباً لا شخصاً، والمنطقي أنه يختار برنامجاً معلناً لحزب، قبل أن يقترع لصالح شخص أياً كان هذا الشخص، وحتى لو كان هذا الشخص هو المستشارة ميركل بجلالة قدرها.

والظاهر أن هذا كله سيصب في النهاية في صالح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي لا يُخفي منذ دخل قصر الإليزيه أنه راغب في وراثة ميركل، على مستوى التأثير السياسي في أرجاء أوروبا، وأن عينيه على مقعدها من حيث المكانة في القارة، اللهم إلا إذا كشف المستشار المرتقب عن قدرات سياسية لا تقل عن قدرات ميركل، فضلاً بالطبع عن أن تتفوق قدراته على قدراتها، التي شيدت بها مكانتها على مدى ما يقرب عقدين من الزمان.

[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"