لم يبق لنا سوى الحبر

00:13 صباحا
قراءة 3 دقائق

د. نسيم الخوري

هل يصدّق قارئ في العالم أن معظم اللبنانيين، وحتّى بقايا ما سُمّي بالثوار منهم، ينتظرون، بل يُقيمون أيامهم أمام المصارف ومحال الصيرفة والأفران والمستشفيات، وينامون في عرباتهم طوابير ذليلة أمام محطّات الوقود بانتظار أن تمنّ عليهم الحظوظ بليترات من البنزين، وهم يقرأون ويسمعون عبر الإذاعات فقط، لا عبر الشاشات بسبب فصل الكهرباء عنهم نهائيّاً،بأن تحت أرجلهم ثروة غازية ونفطية ضائعة، بل مباعة في غابات من الأسئلة التي لا أجوبة عنها بين دهاليز السياسيين، وجبروتهم، وتحاصصهم، وخلافاتهم اليومية؟

طويل هذا السؤال، وقاتل في بلد مهزوم تحت الدرجة السفلى من السلّم الدولي. يتحسّر عليه أشقّاؤه العرب، ويرثونه وقد أكلتهم الدهشة في مقالاتهم وقصائدهم المتحسّرة القديمة. طويل هو السؤال، ولم يكن عسيراً استشراف ورصد الانهيارات التي كانت تعصف بلبنان قبل 17 أكتوبر/ تشرين الأول 2019، تاريخ الهبّة، أو الانتفاضة، ولربّما «الثورة» التي قمعتها القوى المذهبية، وبعثرتها من الساحات، ليدبّ اليأس والجوع والعوز والعتمة والفرار والتهديد بالقتل.

لم يسبق للبنانيين أن شهدوا تدهوراً مماثلاً لا في ال1975 مع نشوب الحروب الأهلية، ولا في ال2005 بعد اغتيال رفيق الحريري، والانسحاب السوري من لبنان، ولا في حرب إسرائيل على لبنان في يوليو/ تموز 2006، ولا مع الانقسامات اللبنانيّة الحادة بين 8 و14 آذار، ولا في ال2017 عندما بلغ لبنان حافة السقوط في حروب أهلية جديدة سُحبت فتائلها المشتعلة بشحن الطواقم السياسيّة المُتنافرة حول دستور الطائف إلى الدوحة للخروج بتسوية ظرفية.

كنت بين المنخرطين في الحراك جذوة للتغيير بعدما عمّت التظاهرات مختلف الأرجاء اللبنانيّة، وبانت النتيجة دموية في مواجهة جذور الطواقم السياسية المتحجّرة في قعر الفساد المتفاقم.

كان «التجمّع الأكاديمي للأساتذة الجامعيين في لبنان» في طلائع المنخرطين بأنشطة التغيير والتوعية عبر الشابات والشباب في الجامعات والمعاهد، خصوصاً الجامعة اللبنانية التي لطالما كانت موقد التغيير الأساسي في لبنان. ولطالما قمنا ونبّهنا عَبره بالمخاطر المُحدقة بلبنان، عبر المحاضرات والمناسبات واللقاءات الإعلاميّة والمذكّرات والدراسات التي أرسلناها وسلّمناها باليد أحياناً، في زيارات رسميّة للمسؤولين الذين بدوا كأنهم لا يلتفتون سوى للتقارير الأمنية. لم نلق أيّ اهتمام، أو تجاوب، أو وعي للمستقبل، من قبل ما يُعرف بالمسؤولين، وشعرنا كأننا في وطنين واحد للمسؤولين، وآخر للشعوب والمجموعات المتعايشة في أوطان وضواحي طائفية ومذهبية متباعدة لكنّها موصولة بتراتبية بجهّات الخارج. كنّا على يقين بأنّ مستقبلاً قاتماً ينتظر اللبنانيين الذين كانوا يستمرّون في كظم ضيقهم وتراجعهم وهجرة الكثير من أبنائهم، مصدّقين الوعود السياسية والمصرفية الخادعة التي كنّا نبرزها بصفتها المؤشّرات الخطيرة التي ستجعل لبنان عارياً.

إن احتكاكنا اليومي بأجيال الشابات والشباب في أحرام الجامعات والمنتديات والجمعيات الثقافية والاجتماعية الكثيرة والساحات، جعلنا أكثر إدراكاً ومسؤولية وقناعة بما هو قادم من سقوط.

وعلى الرغم من الآمال والإيجابيات التي كانت، وما زالت تحكم فلسفة التغيير وقواعدها، كانت هناك قناعة راسخة صادمة تلازمنا مفادها كشف الأغطية عن السياسات الجاهلية المتنافرة التي تديرها المرجعيات الحزبية والطائفية الفاسدة التي تتقاسم بشكل فاضح ومعيب، السلطات والمناصب والمال العام في لبنان، إضافة إلى التحايل والمكابرة لتسليم بقايا الوطن المهرّب إلى أولادهم وأحفادهم وأزلامهم، بما يُبقي لبنان عقاراً خاصاً مهدّداً بالإفلاس وفق مقترحات المنظّمات الدوليّة. وأقصى تجليّاته تجمع أولاد النوّاب الذين شاخوا في البرلمان بانتظار الانتخابات البرلمانية المقبلة بعد أشهر.

ويتراكم الفشل، فاليأس بين «ثورة» هائمة و«دولة» نائمة. الأولى هائمة بين أقواس وشعوب لم تلفحها الثورات الملوّنة، ولا الناعمة، ولا ربيع العرب، والدولة ساحة فقدت جلدها وأحاسيسها، إذ لا حدود أو أبواب لها فغابت في مشاعات الحريّة والارتجالية والأوامر والأفكار الإقليمية والدولية والكونية.

وينزلق اللبنانيون بسرعة قياسية ويتخبّطون في مجاهل وعرة من تاريخ لبنان الحديث المُندثر بين أيدي حكّامه بسياساتهم العقيمة، ولهذا لم يبق سوى الحبر للمجابهة والتوعية والإضاءة والتقويم والإيجابية والنقد. لم يبق حيال هذا الانحطاط الشامل، سوى شقع النصوص المتلهّفة للضوء الخارجي في العتمة اللبنانية الشاملة، توقاً إلى بروق الحرائق والتهديم المتلاحقة التي كانت، وما برحت تخيفنا، وتلهبنا قبل نزول الناس إلى الساحات.

إنّه لمن الكُفر التفرّج والتحرّق على وطن متهالك تربوياً واجتماعياً ومالياً واقتصادياً ونقدياً وأخلاقياً، يمسك بخناقه أشخاص لا يتجاوز عددهم أصابع اليدين بما يحفر أحلك الظروف التي عرفها اللبنانيون منذ «سفر برلك» إلى زماننا الأسود، مروراً بالإعلان عن دولة لبنان الكبير.

[email protected]

عن الكاتب

دكتوراه في العلوم الإنسانية، ودكتوراه في الإعلام السياسي ( جامعة السوربون) .. أستاذ العلوم السياسية والإعلامية في المعهد العالي للدكتوراه في الجامعة اللبنانية ومدير سابق لكلية الإعلام فيها.. له 27 مؤلفاً وعشرات الدراسات والمحاضرات..

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/86z8xjvd