العولمة تكتب التاريخ

00:13 صباحا
قراءة دقيقتين

يحيى زكي

ما الذي يجعلك تفتح باب منزلك مرحباً بأحدهم وتدخله بيتك لإجراء صيانة في هذا المكان أو ذاك؟ سؤال لا يطرحه أحد، هو فعل تلقائي نقوم به جميعاً كل يوم، ولكن أستاذ الاقتصاد البريطاني بول سيبرايت يرى في كتابه «رفقة الغرباء» أن البشر لكي يقوموا بهذا الفعل بمنتهى البساطة استغرقوا آلاف السنوات من التطور. ففي الماضي السحيق في زمن الصيد وجمع الثمار لم يكن هناك أي قبول أو تعامل مع الشخص الغريب عن الجماعة، ويذهب سيبرايت إلى أن تطور البشر ووصولهم إلى هذا المستوى من التحضر نتج عن فكرة التعاون تلك التي لم تعرفها الكائنات الأخرى.

الكتاب ليس أطروحة في التاريخ أو الأنثربولوجيا أو الفكر، ولكنه يكشف رويداً رويداً عن الرؤية الكامنة خلفه، إنه ينتمي إلى ما يمكن تسميته «التاريخ البديل للعولمة»، فهدف الكاتب من التحليل المستفيض لفكرة التعاون المبنية على العقد الاجتماعي، الوصول إلى أن العالم الآن يعيش أقصى درجات التعاون، وبالتالي التمدن، نتيجة لتأثير العولمة في فتح الأسواق وتقسيم العمل. هذا الكلام بدوره يبدو قديماً، ولكن الجديد هنا هو ما يكمن خلفه، ففي المجتمعات ما قبل الصناعية تراجع التعاون، لصالح الحرب والصدام والصراع.

ويذهب سيبرايت إلى أن المجتمعات التقليدية، ما قبل الحداثية، كانت أكثر عنفاً، من المجتمعات الغربية الراهنة، أما إشكالية القرن العشرين المتمثلة في وصف الكثيرين له بقرن العنف نتيجة لحربين عالميتين دمويتين، فيرى أن الملايين التي قتلت لا تقارن بعدد البشر الضخم في ذلك القرن، ولا يكتفي بذلك بل يعود إلى بدايات الاستعمار والكشوف الجغرافية، فنسب العنف بين المجتمعات البدائية في أستراليا والأمريكتين كانت أكثر بما لا يقارن من عنف الرجل الأبيض تجاه سكان تلك المجتمعات.

هي محاولة لإعادة كتابة التاريخ، وفق رؤية المنتصر، وهي أيضاً أطروحة تنتمي إلى بناء ثقافي متكامل بإمكاننا تلمسه في سلاسل الكتب التي تصدر منذ عدة سنوات، فهذه مجموعة من الكتب تنظّر للاستهلاك نفسياً وفكرياً، وتلك مجموعة أخرى تقدم نصائح يجب على كل فرد اتباعها لتحقيق النجاح، في ما يعرف بكتب تطوير الذات، ومجموعة ثالثة تجيب عن أسئلة يبدو أنها تتماس مع الروح ولكنها مكتوبة بخفة لتناسب طبيعة المناخ الراهن، ومجموعة رابعة تعيد كتابة التاريخ، تقول لنا أولاً إن العولمة فكرة ضاربة الجذور في الماضي ربما تعود إلى عصر الإمبراطوريات الكبرى القديمة، ثم تخبرنا ثانياً أن العولمة «حتمية تاريخية» بغض النظر عما يختزنه المصطلح السابق من حمولة تذكرنا بالماركسية.

وتنطلق بعد ذلك إلى حتمية رديفة، الحتمية الاقتصادية، فلا حياة لأي أسواق مغلقة، أما المرحلة الرابعة فإعادة تبييض وجه مآسي التاريخ، أما المرحلة الخامسة فهي تلك الثقافة الجديدة المتمثلة في تلك الكتب التي أشرنا إليها فضلاً عن السينما ومواقع التواصل، أما آخر مرحلة فتراجع استخدام مصطلح العولمة نفسه، فعلى البشر العيش في «تعاون وتآلف» وأن يستمتعوا بحياتهم بغض النظر عن وجع الرأس في مصطلحات إشكالية.

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"