صحيفة الخليج | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
يحيى زكي
أحدث مقالات يحيى زكي
15 مايو 2026
الإنسان المؤقت

هل أصبحنا نعيش عصر الإنسان المؤقت القابل للاستبدال؟ في جوانب مختلفة من حياتنا تحولنا إلى مجرد أشخاص عاديين أو مجرد أرقام، لم تعد هناك فردانية تميز بعض البشر، ويبدو أنه قانون الحياة الفائق الحداثة، وبالإمكان تتبع مظاهره في أكثر من حقل.

في الماضي كنا أكثر فرادة، وكان هناك بعض البشر الذين يصعب تعويضهم، حيث لا بديل لهم في مجالهم، بداية من المرجعيات في الفكر والثقافة، وليس نهاية بالحرفي الذي كان يمارس حرفة يدوية.

في العديد من الأعمال، باتت العمالة مؤقتة ويتم الاستغناء عنها بسرعة، ولم يعد صاحب العمل يهتم بالاستثمار في عامل يبقى معه لفترات طويلة، وهي ظاهرة نلمحها هنا وهناك، وبعض الوظائف أشبه بـ«التيك أواي»، وحتى في علاقتنا بالعمال والموظفين لم تعد هناك علاقات إنسانية تربطنا بهم كما الماضي، المهم أن تحصل على خدمتك، فلم يعد يهمني مستوى الحرفي ولا أود أن أعرف عنه أي شيء، هو بالنسبة لي أشبه بكائن وظيفي أو آلة، ولا يعنيني إذا تغير كل يوم.

عندما نقارن هذه الصورة بما عهدناه في السابق سيتضح لنا أن البشر الذين نتعامل معهم لا يأخذون في وعينا إلا سمة «المؤقت»، ففي الماضي كان هناك وزن للخبرة وللعلاقات الطويلة الأمد، وربما أتعامل مع موظف أو عامل أقل مهارة من آخر، حيث تربطني بالأول علاقة إنسانية ما، وهي قيم لم تعد موجودة في الراهن.

الصورة لا تختلف كثيراً عن الأنشطة الذهنية، فالمثقف تحوّل إلى مستشار أو خبير يعمل في هذه المؤسسة أو تلك، يؤمن بسياستها، وليس هناك ما يمكنه قوله ونابع من قناعاته الشخصية، وحتى تلك الأخيرة تتغير بسرعة وفقاً لبوصلة المؤسسة التي ينتمي إليها، ولذلك هو قابل للتغيير بدوره، ومن هنا لا توجد مرجعية أو رمز فكري في ثقافتنا الراهنة، هذا أيضاً حدث بدرجة أو أخرى مع الفنان والكاتب والأديب والمطرب الذين أصبحوا يظهرون بسرعة، وباتوا أشبه بالأغنية المصورة «الفيديو كليب»، نشاهدها على عجل ولا تبقى في الذاكرة.

الظاهرة نفسها تسود العلاقات الإنسانية، فما كنا نطلق عليه في الماضي «جار العمر» اختفى، وبدورها توارت صداقة العمر، وتراجعت قصص الحب إلى الوراء كثيراً، وحتى في العلاقات السريعة التي تسود مواقع التواصل تحولنا جميعاً إلى أقنعة، نكذب على بعضنا البعض، فالجميع عابر، وتغير مفهوم السرعة هنا، وبات من الأصح أن نصفها بالعلاقات اللحظية.

وليس الإنسان وحده في الحداثة السائلة التي نعيشها من يمكن وصفه بـ«المؤقت»، بل الأفكار والقيم والأمكنة، وبات من النادر أن تجد أحدهم يكتب لك في عشق المكان كما كنا نقرأ في السابق، فالأمكنة بدورها عابرة، لا تحفر ولا تؤثر في الروح.

في مختلف جوانب هذه الصورة لا رسوخ لإنسان ولا بقاء لقيمة، ولا يمكن لعلاقة أن تثمر، واختفت سرديات كبرى حلقت في الماضي بإنسان يعرف أن وجوده نفسه يرتبط بقوة ثباته في مواجهة خفة العابر المؤلمة.

8 مايو 2026
عصر اختفاء التجربة

لا يملك معظم البشر في الوقت الراهن ذلك الألق المتعلق بتجربة خاصة متفردة تختلف عن تجارب الآخرين، فكل شيء في عصرنا الفائق الحداثة مسبق الصنع، يتم شراؤه أو تقليده، وهو قانون ينطبق على مختلف أوجه الحياة، من الإبداع وحتى طرائق تناول الطعام وارتداء الملابس.

في الماضي كنا نمارس الحياة بوصفها تجربة، لكل شخص حرية الاختيار في أن يخوضها، وكل شخص مطالب بأن يقدم بصمة خاصة في هذه التجربة، ولم يكن المجتمع المحيط يعترف بهذه التجربة إلا عندما تتميز وتضيف الجديد والمختلف. كان ذلك في التربية والتعليم والعمل والإبداع، كانت هناك متعة في أن أتعرف إلى العالم والأشياء من حولي من خلال حواسي أنا، وكان من الخطأ أن أُقبل على شيء من خلال ما سمعته نتيجة لحواس الآخرين. من هنا كانت الفردية وقيم النجاح، في مقابل تراجيديا الفشل والسلبيات التي تعقبه، بل كان البعض يرى في التجربة صحة وعافية، فهي تعلمنا الصواب والخطأ، وفي الحالتين يوجد مكسب للفرد والمجتمع.

على مستوى المشاعر، كان لكل إنسان أحاسيسه شديدة التفرد، لكل منا تميزه في الحزن والفرح والحب..إلخ، الآن نشعر أن هذه المشاعر متشابهة عند جميع البشر، انعكس ذلك في الإبداع، فلا قصيدة تبوح بالحب، ولا لوحة تصدمنا بالحزن، ولا دراما حول تقلبات الحياة. أصبح الإبداع بلا مذاق، وهو ما انعكس أيضاً في الأيقونات التعبيرية في مواقع التواصل الاجتماعي «الإيموجي»، فكلنا نعيش خلفها الآن، كلنا نتقنع بالوجوه الضاحكة أو الباكية أو الحائرة، وكأن الضحك الخاص اختفى والبكاء المميز لكل حالة انتهى، وجميعنا نتشارك الحيرة نفسها.

نحن الآن لا نُقبل على أية تجربة بإرادتنا الحرة، ولكن بناء على تجارب الآخرين، فقدنا حس المغامرة ومعه متعة الاكتشاف، عندما نريد أن نسافر أو نشتري شيئاً، أو حتى عندما نذهب إلى أحد المطاعم، أو نبحث عن كلية أو مدرسة لأحد أبنائنا، فما علينا إلا أن ندخل على مواقع التواصل الاجتماعي ونبحث، نقرأ التعليقات، وننتبه إلى حجم الإعجاب، ومن ثم نتخذ القرار.

ليس هذا وحسب، بل بات معظمنا من أصحاب ثقافة القراءة «القديمة» لا يُقبل على كتاب إلا إذا اتبع الطريقة نفسها، نحن لا نريد أن نوجع رؤوسنا في كتاب لن يجذبنا، مع أن هذه النوعية من الكتب كانت تمنحنا خبرة في الماضي.

هذه الصورة تخفي في العمق مجموعة من الدلالات السلبية، ليس أولها أننا نعيش عصراً نستنسخ فيه بعضنا، تُمحق فيه الفردية والتميز ووجهة النظر المغايرة وحتى طريقة الحياة المختلفة، بالإضافة إلى الرغبة في الحصول على خبرات جاهزة من دون تعلم أو المرور بمرحلة فرز الصواب من الخطأ ومعرفة الجيد من السيئ.

في الماضي كان الكتّاب والأدباء يسردون تجاربهم، كنا نتوقف أمامها ونتعلم منها، ونقول «هذه تجربة»، وكان قولنا يعني أنها حياة متكاملة خصبة مثمرة، الآن يبدو أننا نعيش حياة مختلفة أو نشهد عصر اختفاء التجربة.

1 مايو 2026
الهوية السائلة

ماذا يعني توقف التفكير فجأة في قضية كانت تملأ الدنيا وتشغل الناس؟ هل يعني ذلك أن هناك نتائج حاسمة تم التوصل إليها في مختلف مفاصل هذه القضية، أم أن هذه القضية وصلت إلى طريق مسدود، بحيث لم يعد هناك ما يمكن نقاشه أو إضافته؟ هل أصاب أطراف القضية الملل؟ هل تجاوزها العصر؟

لعل قضية العرب المركزية في القرنين الأخيرين تمثلت في البحث عن هوية حضارية، لقد أثار اللقاء مع الغرب في بلاد الشام ومصر والمغرب العربي في القرن التاسع عشر سؤال: من نحن؟ لم يكن السؤال معرفياً بقدر ما كان جدلياً، بمعنى أن كل من طرح السؤال يعرف هويته العربية الإسلامية وبوصلته الوطنية، لكن الجدل نشأ نتيجة الرغبة في معرفة موقعنا في العالم، كنا مهزومين حضارياً، وهو ما يتطلب بحثاً عن موقع في الخريطة.

هذا البحث شكل قلقاً دائماً لعشرات من مفكرينا ومثقفينا، وهو قلق نتج عن سؤال: ما هي أبعاد «الأنا»، وما هي حدود «الآخر»؟ وكيف نتعايش مع الآخرين من دون أن نؤثر بالسلب في مفاصل الهوية الثلاثة: العربية والإسلامية والوطنية، لقد كان العالم يتغير، هناك ثورة صناعية مصحوبة بدخول عصر الاستعمار، وكان كل مفصل يتعرض لخطر، فاللغة عرضة لهجوم اللغات الأجنبية في السوق العالمي والتعليم، والقيم في جدل مستمر مع هجمات الاستشراق، وهناك تدخلات أجنبية تهدد استقرار الأوطان.

ظلت تلك التهديدات قائمة، والجدل مع الآخرين قائماً، والتمسك بمفاصل الهوية تتراوح شدته حسب الظروف والأحوال، وهو ما استمر بصورة أو أخرى في عصر العولمة ونهاية التاريخ وصدام الحضارات. كل يوم كانت هناك قضية مرتبطة بأحد مفاصل الهوية الثلاثة. أما ما نعيشه الآن منذ بداية القرن الحادي والعشرين فيمكن تسميته بمرحلة العولمة الفائقة، وبدا أن كل ذلك الجدل قد وصل إلى طريق مسدود، ولم ينته إلى نتائج حاسمة، فالأسئلة المتعلقة بمفاصل الهوية لا تزال كما هي.

في هذا العصر، العولمة الفائقة، يبدو الحديث عن محددات هوية صلبة ضرباً من الأوهام، وحتى لو تنازلنا وتراجعنا خطوة وتكلمنا عن هوية منفتحة على الآخرين، فسنكون أشبه بالحالمين، فالهوية الآن سائلة ومتغيرة، ولا نملك أدوات قياس لتحولاتها المتسارعة، فهناك أجيال شابة نشأت في العقدين الأخيرين تدرك القيم من منظور مختلف وتتعامل مع العالم بطرائق مغايرة، ونحن نتجاهل أن العولمة باتت الآن ليست مسألة اقتصادية أو سياسية أو حتى ثقافية، بل هي تؤثر في الإنسان الفرد نفسه.. في أحلامه وتطلعاته وسلوكاته، فهناك هوية واحدة محددة لكل فرد منعزل خلف شاشة الهاتف النقال، ومن محصلة مجموع الأفراد تنشأ هويات، ولكل هوية مفاهيمها وأولوياتها ورغباتها، هي بالأحرى هويات متشظية.

نحن لا نعيش عصر نهاية الهويات الصلبة أو الأفكار الكبرى المتماسكة، لكنه عصر أشبه بالسوبر ماركت، كل ما نبحث عنه نجده، لكن علينا الدفع، وهو هنا فادح لأنه يرتبط بهويتنا الاجتماعية وحتى الإنسانية.

24 أبريل 2026
اللغة حياة

اللغة ليست مجرد كلمات نتعلمها في الطفولة ونتحدث بها طوال حياتنا، وهي أيضاً ليست مجموعة قواعد وجماليات واستعارات ومجازات يوظفها هذا الكاتب أو ذاك الشاعر، ولا تقتصر أهميتها على مفردة هنا أو هناك تجتمع لها المجامع اللغوية لتجيزها داخل قاموسنا اللغوي.

اللغة موضوع معقد ومتشابك ومتداخل، هي سلطة وهيمنة وأداة توجيه، ولا يمكن التفكير إلا من خلالها، ونظراً لأهميتها شغلت حيزاً واسعاً من التنظير في مختلف ثقافات العالم، وهو تنظير ممتد جغرافياً وزمنياً، والبدايات متعددة، ولكننا هنا يمكن أن نلمح في تراثنا ذلك الجدل الذي امتد لعقود حول: هل اللغة إلهام أو اصطلاح؟ هل هي سماوية أم نتاج مجهود بشري؟ كان لكل فريق حججه وبراهينه وأتباعه، وانعكس هذا الجدل داخل كل التيارات الفكرية القديمة، وجاء آخرون ليؤسسوا لفقه اللغة، وذهب فريق آخر ليربطها بالعقل، وأكد المفكر المغربي الراحل محمد عابد الجابري في مشروعه «نقد العقل العربي» إلى أن العربي القديم لم ينتج مفردات لغوية وحسب، ولكنه صنع رؤيتنا للعالم وحدد طرائق سلوكنا فيه وتعاطينا معه.

في داخل هذه المنظومة سنعثر على من أسس مذاهب فلسفية كاملة قائمة على اللغة، ومن قسّمها إلى قسمين: إنشاء وإخبار، ورأي في القسم الأول مشاعر ووجدان لا محل له من الإعراب وطالب بشطبه من اللغة، ورأي في القسم الثاني لغة تمسك بالواقع هي تلك المطلوبة في الحياة المعاصرة، وهناك من درس اللغة اجتماعياً وربطها بالبيئة، فمثلاً نلاحظ تضخم مدونة الأبل في القاموس العربي مقابل فقر واضح جداً في مرادفات كلمة «ثلج»، وهناك من سأل هل نفكر أولاً أم نتكلم؟، ووسط كل هذا الزخم كان هناك سؤال مخفي: مَن المنوط به إنتاج المصطلحات والمفاهيم والكلمات الجديدة؟ ومن يملك القدرة على ترويجها ونشرها؟.

عبر اللغة بإمكاننا أن ننقل الحقيقة، وأن نمارس التزييف والتضليل، وأن ننشر الكذب مغلفاً بكلمات تبدو للوهلة الأولى صادقة، عبر اللغة بإمكاننا أن نختزل فكرة ونوجه ونؤطر إنساناً ونعبّر عن موقف، نصف هذا باليميني وذاك باليساري، ونميز بين متقدم ومتأخر، وتنويري ومتطرف، عبر اللغة بإمكاننا أن ننشر السلام ونرسخه، وأن نروج للعنف، وذلك عندما تكون لغتنا إقصائية غير متسامحة تتميز بالخشونة والجلافة، عبر اللغة نستطيع أن نشيد عوالم مترعة بالحلم والخيال والتحليق في فضاءات لا حدود لها، ونستطيع أن نقتل الأمل بقسوة وجلافة وخشونة لا نظير لها.

في الحياة اليومية بإمكان اللغة أن ترسخ المحبة بين الناس، وربما تستفزك وتدفعك للغضب، تمنحك الطمأنينة، أو تضعك في معترك القلق، تهبك الراحة أو التوتر، تفتح أمامك نافذة على الغد أو تغرقك في ماض لا يمكنك الفكاك منه.

إن درس اللغة واضح جداً، فمن يملك تسمية الأشياء وتعريفها يملك توجيه العالم، ومن خلال اللغة نستطيع أن نقنع البشر بأعقد القضايا، وننشئ علاقات اجتماعية، وندفع بأنفسنا إلى الأمام، اللغة ببساطة قادرة على صنع الحياة أو هي الحياة نفسها.

17 أبريل 2026
شفاهية قديمة وجديدة

هل نحن على عتبات مرحلة تاريخية جديدة تتبدل فيها طريقة تحصيل المعرفة إلى شكل آخر، البعض يرى أننا نشهد الآن عودة إلى مرحلة الشفاهية، ولذلك يبشرون بنهاية حقبة طويلة مرت بها البشرية، وأعني حقبة الكتابة.
إن من يبشرنا بمرحلة الشفاهية ينسى حقيقة مهمة جداً أن الكتابة رافقت الحضارة، صحيح أنها لم تكن معنية إلا بتدوين الأعمال اللافتة التي يقوم بها الإنسان، إلا أنها كانت موجودة في الآثار والشواهد المعمارية الموغلة في القدم، وتاريخياً أيضاً كان جزء كبير من المعرفة يتم تداوله شفهياً، في المجالس حيث تنقل العادات والتقاليد، وفي «الكتاتيب» والمدارس البدائية حيث كان التعليم يعتمد على الحفظ والتلقين، وفي الأسواق والمحافل العامة كان الشعراء والرواة والقاصون يروون قصائدهم وحكاياتهم، حتى في الكتب المدونة والأعمال التاريخية الكبرى سنلحظ وجوداً قوياً للشفاهية وذلك عندما يكتب المؤلف سمعت عن فلان، أو يدخلنا في صيغة «العنعنة»: عن فلان.. عن فلان، وذلك ليدعم روايته، هنا بإمكاننا أن نلمح أيضاً أن الشفاهية كانت مصدراً معرفياً موثوقاً، ولذلك وضعوا اشتراطات لصحة رواية الرجل، منها ضرورة أن يتحلى بالصدق والخلق القويم.
في مرحلة الحداثة بدا أن البشرية تعتمد على الكتابة والتدوين كوسيلة أساسية للمعرفة، ولكن الأمر لم يخلُ من وجود واضح للشفاهية، وذلك في الثقافات الشعبية والمجتمعات الطرفية والبسيطة، أي أن الشفاهية لم تختف تماماً، فالمعلومة تنقل وبقوة من لسان إلى أذن وهكذا.
والسؤال الآن، هل الكتابة على وشك الاختفاء كما يذهب البعض؟ القطع بذلك صعب، ولكن المشاهد أنها في حالة تراجع كبيرة، من حيث الحجم والكيف والتأثير، فلا يوجد نص إعلامي الآن من دون وسائط مساعدة صوتية وبصرية، وهناك مرحلة نعيشها من سنوات طويلة يتم فيها تمرين الذهن البشري على قراءة المقاطع الصغيرة، والابتعاد عن المطولات، مع تقسيم أي مقاطع إلى فقرات، هذا شتت العقل وأفقده التركيز، ومنح الأولوية للأذن وللصورة في التلقي، ودخلت تلك العملية التاريخية المعقدة والتي كان الإنسان يركز فيها ويقرأ نصوصاً مطولة في مأزق.
إن الإشكالية التي ستواجه البشر نتيجة لتراجع المقروء- المكتوب تتمثل في تحريف كثيف ومتعدد ستتعرض له الحقائق على المدى الطويل، فعملية تلقي الأذن للمعلومة هي في الأساس تقوم على التحريف، وكذلك احتلال العين بالصور، هناك قدر كبير من الزيف سينتج في الحالتين، وربما لن يكون زيفاً متعمداً بقدر كونه يتعلق بطبيعة التلقي نفسها، فعملية السماع في ذاتها ليست دقيقة، وكذلك الصور والفيديوهات، هناك سيولة يعقبها تحريف وعدم قدرة على ضبط المعلومات التي نتعرض لها.
لقد كان هناك دائماً شك في الكثير من الأحداث التاريخية في زمن التدوين والكتابة، بالرغم من كل ما وضعه المختصون من آليات تضمن مقاربة الحقائق، لم يكن هناك إجماع على حدث ما، ولكن كانت هناك مقاربات، كانت هذه حالة المعرفة والحقيقة والذاكرة في زمن الانضباط والقراءة والتدوين، فعلينا أن نتخيل الصورة في زمن الانفلات وعصر المعرفة الشفاهية الجديدة.

10 أبريل 2026
هويات مشتتة

كانت الهويات في الماضي تُبنى على مهل وبنوع من التروي والبطء، وتميزت بالقوة والرسوخ، حتى وإن بدت أحياناً من الخارج متوترة، حدث ذلك على المستويات كافة، الثقافية والاجتماعية وحتى الفردية.
لم يعرف العرب في بداية العصر الحديث مسألة أكثر إثارة للنقاش، من موضوع الهوية، كيف ننظر إلى ذواتنا؟ وكيف نعرف أنفسنا؟ بل وكيف نستطيع تقديم حضارتنا إلى العالم؟ وماذا نأخذ وماذا نترك من الآخر المتفوق حضارياً؟ وما هو المفيد من الماضي الذي نستطيع استلهامه للسلوك في العصر..الخ؟ وكُتبت في سبيل الإجابة عن تلك الأسئلة آلاف الكتب والأبحاث والمقالات، وعقدت عشرات الندوات والمؤتمرات، وتعارك العشرات فكرياً وتجادلوا، كانت حالة من الصخب الدائم أثارتها مسألة الهوية، ومع نهاية حقبة الاستعمار، كنا قد أدركنا جزءاً كبيراً من مقومات الذات الحضارية، وتعرفنا إلى أبعاد ومفاصل الآخر، فلا هوية صلبة إلا في ظل وجود آخر قوي.
الآن وبفعل العولمة وأدواتها، أصبحت الهوية في حالة تبدل مستمر وسيولة دائمة، فلا وقت لدينا لنتعرف إلى أنفسنا، وهناك تسارع يكتسح الجميع ويدمجهم معاً في الوقت نفسه، والكل بات يستنسخ الكل والذات يبدو أنها هشة إلى حد كبير.
في الماضي توقف مفكرونا كثيراً أمام معنى أن نكون عرباً نعيش في القرن العشرين، وما ينتج عن هذا المعنى من رؤية للعالم وكيفية التعامل معه والسلوك فيه، هذه الفكرة وما أعقبها من جدل، وما سبقها من قلق فكري ووجودي، شكلت حراكاً مداره «نحن نريد أن نكون»، من هنا جاءت صلابة الأبنية النظرية، فنحن من نصنع هويتنا، أو كما قالها محمود درويش شعراً: «سأصير يوماً ما أريد».
الآن نحن نعيش من دون هذا القلق، ولا ينتابنا أي هاجس، ندرك أننا عرب، ولا يتبع ذلك أي نقاش حول سؤال: ماذا يعني كوننا عرباً نعيش في القرن الحادي والعشرين؟ وهل هناك متغيرات تفرض علينا النظر في هويتنا؟ وهل هذه المتغيرات مفروضة علينا أم استجابة طوعية لأحداث الراهن المتلاحقة؟
ما حدث على مستوى الثقافات والمجتمعات، حدث أيضاً على مستوى الأفراد. كان الإنسان محصلة أسئلة واختيارات، ويقوم بعدة وظائف يناغم بينها، هناك البيت والمدرسة والعمل والحياة الخاصة، كانت التربية صلبة والحياة الواقعية أكبر معلم، فنشأت شخصيات واضحة المعالم، تتسم بقوة وملامح واضحة، كان كل إنسان يختار كيف يريد أن يعيش، لم تكن هذه الصورة عامة جداً، ولكنها كانت موجودة بقوة، بعكس الآن تماماً، حيث يبدو أننا أمام بشر بلا ملامح، شخصياتهم مستنسخة، وملامحهم الخاصة باهتة، وقناعاتهم غائمة، لا يختارون كيف يعيشون، ولكنهم يودون العيش فقط. وفارق كبير بين التوجهين، هنا تبدو الهوية الإنسانية الشخصية فاقدة لصلابتها بدورها، وتعيش هي أيضاً في حالة سيولة مستمرة.
لم يعد يشغلنا في الراهن هاجس«النحن» في توازنها مع «الأنا»، ولم نعد نفكر في كيفية الاستفادة من الروح الجمعية ومزايا الفردانية معاً، وباتت الحدود بينهما ضائعة والهويات مشتتة ومتداخلة.