كلاهما لا يستثني دولة بين الدول

00:21 صباحا
قراءة 3 دقائق

سليمان جودة

سوف تظل الصورة الفريدة التي تابعها جمهور قمة المناخ في مدينة جلاسكو البريطانية، من أطرف وأغرب الصور في هذه السنة، وربما في سنين أخرى مقبلة!.. ولو حدث أن خاضت هذه الصورة مسابقة للصور التي تتعرض للقضايا العامة، فسوف تحصل على الجائزة الأولى بالتأكيد.

الصورة كانت للوزير سيمون كوفي، وزير خارجية توفالو، الذي وقف يلقي كلمة مسجلة أمام القمة، فلفت انتباه العالم على امتداده، وليس فقط الحاضرين في أعمال الدورة ال 26 من تلك القمة المهمة، التي انعقدت في المدينة من أول هذا الشهر إلى الثاني عشر منه!

ورغم كثرة عدد وزراء الخارجية الذين ألقوا كلمات حضورية ومسجلة أمام القمة، إلا أن كلمة كوفي بالذات كانت فريدة.. فلقد وقف يلقي الكلمة مرتدياً بزته الرسمية في مياه البحر.

وكان السبب أن توفالو دولة تقع فوق جزيرة في المحيط الهادي، وهي تكاد تغرق من شدة تداعيات تغيرات المناخ في شتى أنحاء العالم، وبمعنى أدق فإن أجزاء منها زحفت عليها المياه وغرقت بالفعل.. لهذا وضع وزير خارجيتها منصة خشبية في الماء تحت قدميه، ثم راح يخاطب العالم واقفاً في مكانه، في إشارة منه إلى أن بلاده تكاد تختفي تحت المياه، لا لشيء، إلا لأن تأثيرات تصاعد الكثير من ثاني أكسيد الكربون والميثان في فضاء كوكب الأرض تزيد وتتضاعف.

طبعاً، كثيرون منا لم يسمعوا عن دولة اسمها توفالو من قبل، رغم أنها دولة عضو في منظمة الأمم المتحدة، شأنها في ذلك شأن الولايات المتحدة الأمريكية نفسها.. ومن نوع توفالو يوجد ما يزيد على عشر دول تتمتع بعضوية المنظمة رأساً برأس مع باقي الدول.

والمؤكد أن الوزير كوفي قد أهدى العالم هدية كبيرة لم يحدث أن أهداها له أي وزير خارجية ممن تحدثوا أمام القمة، وممن راحوا يشرحون مخاطر تغيرات المناخ ويتكلمون عن خطورتها وعواقبها!.. لقد تحدث الرجل بشكل عملي تماماً، وأشار عملياً إلى أن تغيرات المناخ التي يدور حولها كلام كثير منذ فترة، إنما هي شيء حقيقي وخطر ماثل أمامهم في بلده، وليست نوعاً من الترف يمكن صرف النظر عنه أو غض البصر.

وهو قد فعل ذلك لأن الحقيقة في توفالو تقول إن سكانها ربما يجدون أنفسهم مضطرين إلى الانتقال لمكان آخر، إذا ما استمرت انبعاثات ثاني أكسيد الكربون والميثان كما هي، وإذا ما دامت التغيرات على وتيرتها الحالية ومعدلاتها القائمة.

وليس أمام الجميع بديل آخر سوى الالتزام بما توافقت عليه 114 دولة من حيث ضرورة حماية الغابات، ومن حيث حتمية خفض الانبعاثات، ومن حيث أهمية دعم التمويل الأخضر.

لا بديل عن الالتزام بالتوقف عن النشاطات الصناعية الأكثر تلويثاً للبيئة، أو الحد منها في أقل القليل، وخصوصاً الصناعات التي تستخدم الفحم بكثرة، وكذلك صناعات الأسمنت.. هذه مسائل لم تعد هامشية، ولكنها صارت أساسية.

ولا بديل أيضاً عن أن تكون الشجرة محل احترام، وأكاد أقول موضع تقديس في كل مكان من العالم بلا استثناء، ولا بديل عن نشر المساحات الخضراء بكل قوة ممكنة.

إن تغيرات المناخ مثل ڤيروس كورونا، وإذا كان هذا الڤيروس لا يستثني دولة بين الدول، فهذا تقريباً هو وجه الشبه الوحيد بينهما، فكلاهما لا يستثني أحداً من عواقبه.. وليس أمام العالم الذي احتشد في مواجهة الوباء، إلا أن يحتشد بالدرجة نفسها في وجه المناخ!

[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"