تصفيات في المتحف الخيالي

00:20 صباحا
قراءة دقيقتين

ما رأيك في موضوع فيه شجو وشجون؟ القلم مسكون بقضايا تغير النموذج الفكري في الثقافة. تخيل المشهد: لديك متحف خيالي مترامي الأجنحة، من بين تحفه ما عليك التخلص منه قسراً، لأن أبناءك وأحفادك لن يكون لديهم مكان له، قد لا يغريهم في شيء. ستكون كمن يحاول إسالة لعاب روبوت بستيك سلمون مشوي، على مهد سبانخ.
الأجنحة التي ستطالها التصفيات: الآلاف من المفردات المعجمية المهملة، عشرات آلاف القصائد التي لن يكون لها حيّز في الإطارات الفكرية المستقبلية، آلاف الأمثال التي لم تعد للزمن الآتي، منظومات قيم ظلت متسمرة في قرون ماضية ولم تطرأ عليها تجارب تطويرية تجعلها مؤهلة لأزمنة غير عصرها، أغلبها ساد العقول عصوراً، لكنه اصطدم بصخور العصر الحديث. بالمناسبة، مفهوم العصر الحديث غير دقيق لدى الكثيرين، لأنه تاريخياً ابتدأ عندما انتهت القرون الوسطى، فنهاية العصر الوسيط هي بداية العصر الحديث. للأسف، ظل العالم العربي نائماً ومنوماً بعد ذلك إلى آخر القرن التاسع عشر أو مطلع العشرين.
ستطال التصفيات أيضاً، عالماً من الفنون الأسلوبية البلاغية، إضافة إلى إجراء عمليات جراحية على النحو العربي، كشفط الدهون، تخييط المعدة، إزالة الترهلات وما إليها. عندما تعجز المؤسسات المسؤولة عن أن تحك ظهورها بأظفارها، فإن حلولاً أخرى ستفرض نفسها، أقساها على القلوب أن تأتي من خارج العربية. ببساطة: العجز عن إنتاج العلوم، الذي هو الرافد الأعظم للغة، يؤدي قطعاً إلى دراسة العلوم بلغات أخرى، وبما أن العلوم ستكتسح كل الميادين، فإن اللغة الأم ستصير «ربّة بيت لا تعمل». الخطر ماثل فافهموا جيداً. اسمعوا وعوا. القضية في النهاية ليست ثقافية فحسب. معذرة، خرجنا عن الموضوع إلى الأهم.
الآن، وصلنا إلى المأزق التاريخي الأكبر، وفيه بعض الإزعاج، لكون طرحه يقتضي إيقاظ الفكر العربي الذي علّق على باب دماغه: ممنوع الإزعاج. السؤال واضح: من هم رواد الفكر والفلسفة الذين سيقودون الفكر العربي والثقافة العربية مستقبلاً؟ أمّا الجواب، فمعتم مبهم. الأنكى، أن يدخل العقل العربي عوالم جديدة نماذجها الفكرية مختلفة، بمنظومة قيم لا نعرف حتى من سيرسمها ويحدد مساراتها: الغرب المنحدر أم الشرق الأقصى الصاعد؟
لزوم ما يلزم: النتيجة الهلوسية: خذ الأمور ببساطة، ألم نقل إن المتحف خيالي؟ علماء الفيزياء أحدثُ جديدهم هو الشك في أن الواقع حقيقة.
[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"