حواريّة تأسيس الموسيقى

00:25 صباحا
قراءة دقيقتين

قلت للقلم: لماذا تقسو على الموسيقى العربية، كأن خيالها بلا آفاق؟ قال: لأنها كأنها تعيش خارج الكون، فلا علاقة تربطها بعلاقة الموسيقى بالكون. صحت: هذه أعظم بشرى، أوَ تقول إنها كأنها خارج الكون؟ سقاك الغمام، أعذب الأنغام، في أطرب مقام، فهذا دليل على أنها جاوزت تخوم الخمسين مليار سنة ضوئية في الكون المنظور. حق لها أن تصدح بقول المتنبي: «أيّ مقام أرتقي..أيّ عظيم أتّقي».. وكل ما قد سلق الفن وما لم يسلقِ.. محتقرٌ في مسمعي.. كنشزة من بُزُقِ.
قال: هل تدري ما معنى أن يكون الوسط الموسيقي قائماً على الفلسفة والرياضيات والفيزياء؟ ميراث اليونانيين انتقل إلى الحضارة الإسلامية، وهذه نقلته إلى الغرب، فكيف قطعنا نحن الجسور التي تربط الموسيقى بالفلسفة والعلوم، وحافظ الغرب عليها؟ لا تجد قرناً إلاّ وفيه فلاسفة وعلماء زادوا الصروح الموسيقية شموخاً. حتى المصادفات عجيبة، ففي العام 1770 ولد بيتهوفن وهيجل، الذي أنارت فلسفته دروب الفن والموسيقى والمسرح. لم تتحرك شعرة في مفرق موسيقانا، حين كانت الموسيقى الغربية تظهر فيها نجوم غير عادية: جاستون باشلار فيلسوف عالم رياضيات موسيقي، أينشتاين عازف كمان، نيلز بوهر من آباء فيزياء الكمّ موسيقي، إلى عالم الثقوب السوداء جان بيير لومينيه الموسيقي منذ صباه، سيدريك فيللاني عالم الرياضيات عازف بيانو. القائمة موسوعة. أصحاب الكلمة في رعاية الإبداع وتقوية قيم مناعته، هم فلاسفة وعلماء، والموسيقى أصلًا إيقاعاتها رياضيات، وأصواتها فيزياء، موجات، ذبذبات، تردّدات.
قلت: الآن، دعنا نفكر في المفيد، فعلى المكتوب لا يفيد الندم، فلا تقل للزمن ارجع يا زمن. ولّى زمان فيثاغورس وأفلاطون وأرسطو، أمّا النظريات الموسيقية في عصور الحضارة الإسلامية، فأعظم تكريم لها هو ألاّ نعهد إلى الغربيين بكتابة تاريخها. قال: نقطة البداية نظريّا سهلة الفهم، عسيرة التطبيق. لكن سهولة الفهم شيء، وسلامة الفهم شيء آخر. الأذهان تصاب هي الأخرى بما يشبه عمى الألوان، فيتوهم الناس أن عالمية الموسيقى تعني إلغاء الخصوصية. الأمميّة الإنسانية لا تلغي الخصوصية. مثلاً: في الشعر الإقليمي، يلامس روبرت فروست، الشاعر الأمريكي، أعماق كل إنسان، بينما بيئته كوخ وحصان وعناصر تعدّ على الأصابع. البلوز والجاز ظلت جذورهما إفريقية وصارا عالميين. الموسيقى العربية لا ينهض بها إلاّ العرب.
لزوم ما يلزم: النتيجة القياسية: تأمّلوا ماذا تفعل الصين بموسيقاها، تسخّر كل النظريات والتقنيات العالمية، لإبداع موسيقى عالمية روحها صينية.
[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"