اليقظة الاستراتيجية وأزماتنا المزمنة

00:52 صباحا
قراءة 3 دقائق

د.إدريس لكريني

تؤكد الأحداث والوقائع يوماً بعد يوم، أن العالم أصبح محاطاً بعدد من المخاطر والتحديات المختلفة، وقد أبرزت جائحة «كورونا» أهمية توخي اليقظة والجاهزية على مختلف الواجهات لمواجهة كل ما يحفل به المستقبل من مفاجآت، وتشير الدراسات العلمية والممارسات الميدانية إلى أن التدبير في الوقت الراهن أضحى علماً وفنّاً في الوقت نفسه، يتجاوز في مناهجه ونظمه وأهدافه كل السبل التقليدية المتجاوزة، ويوازن بين الاستجابة للحاجات الآنية، وكذا المستقبلية.

وتحيل اليقظة الاستراتيجية إلى ذلك الأسلوب الإداري الحديث والمنهج العلمي المتطور الكفيلين بتوفير الخيارات الاستباقية، بناء على الاستعداد والجاهزية لكل الاحتمالات، وتوفير الكفاءات والمعلومات والبنى التحتية والبرامج والمخططات، والانفتاح على المحيط بمتغيراته المختلفة، وهي تعد أحد المرتكزات التي تقوم عليها الحوكمة.

وتتنوع مواضيع اليقظة الاستراتيجية بين مجموعة من المجالات الحيوية، كالتنافسية لاقتصادية والمتغيرات البيئة والطبيعية، والتنمية المستدامة، والأمن الإنساني الشامل، وقضايا التعليم والبحث العلمي.

وتنطوي اليقظة الاستراتيجية على أهمية كبيرة في عالم اليوم، فهي تسمح بركوب المغامرات المختلفة بقدر كبير من الجاهزية والثقة بالنفس، وتتيح التفاعل بشكل إيجابي مع متغيرات المحيط وانتظارات المجتمع، وكذا تحقيق السبق على مستوى الأداء، وكسب رهانات المنافسة وتطويرها في مختلف المجالات، إضافة إلى كونها تعدّ أداة لتحقيق التطور والإبداع والابتكار والتميز في الأداء، ثم الحد من المخاطر المختلفة الطارئة، علاوة على كونها تسمح باتخاذ قرارات منفتحة وملائمة ومحسوبة، وتتيح تحقيق الأهداف المرجوّة على نحو جيد، وترشيد الجهود والإمكانات المالية والبشرية والتقنية، مع التحفيز على التفكير الاستراتيجي.

إن إرساء هذه اليقظة لا يتأتى بالشعارات، والنوايا الحسنة فقط، بل يتطلب وجود عقل استراتيجي، واعتماد مجموعة من التدابير وتوفير عدد من الشروط والمرتكزات التي يمكن إجمالها في الحرص على جمع وتحليل المعلومات بسبل علمية موضوعية.

ويقوم تدبير الأزمات في جزء كبير منه على التنبؤ والتوقع بناء على مؤشرات موضوعية، ما يجعل العلاقة وطيدة مع اليقظة الاستراتيجية.

ولا شك في أن حدوث الأزمات بأصنافها المختلفة هو أمر طبيعي، بل وصحّي أحياناً، لمراجعة وتطوير القدرات والكفاءات والاستراتيجيات، لكن عنصر المفاجأة الذي يطبع الأزمة، وكذا حالة الهلع التي تنجم عنها، تفرض توخي اليقظة الاستراتيجية التي تتيح طرح مجموعة من الاحتمالات، بما فيها السيئة، عند بلورة المشاريع والقرارات والتشريعات، الأمر الذي يجعل الأزمات والكوارث في صلب اهتمام هذا الأسلوب المتطور، ويسمح أيضاً بتدبيرها على وجه سليم استناداً إلى عدد من البدائل والخيارات، وبكل استعداد وثقة بالنّفس.

حقيقة أن تدبير الأزمات لا يمكن في كثير من الأحيان أن يحول دون وقوع الأزمات، لكن توخّي اليقظة في هذا الخصوص يمكنه أن يقلل من المخاطر، ويوفر شروط اتخاذ قرارات سريعة وفعالة ومحسوبة بشكل جيد.

وترزح العديد من دول المنطقة العربية تحت ضغط مجموعة من الأزمات الاقتصادية والسياسية والأمنية والبيئية والاجتماعية، والتي أصبحت تدرج معها ضمن أكثر الفضاءات توتراً وتأزماً على المستوى العالمي، وعلى امتداد العقدين الأخيرين لم تستطع هذه الدول إرساء مقاربات علمية كفيلة ببلورة حلول مستدامة لهذه الأزمات.

حقيقة أن ثمة عوامل متداخلة تغذي هذا الوضع، تتأرجح بين ما هو داخلي وخارجي، غير أن عدم توخي اليقظة، ببعدها الاستشرافي، يدفع الكثير من صانعي القرار إلى السقوط في اتخاذ قرارات مرحلية ومرتجلة، لا تستند إلى مرتكزات واقعية وعقلانية.

ورغم أن المنطقة تحتضن كفاءات عالية في عدد من المجالات العلمية والعملية، وإمكانات اقتصادية هائلة، وثروات طبيعية غنية، تتيح لها كسب مجموعة من الرهانات والتحديات، غير أن المتأمل في الأوضاع الصعبة لعدد من البلدان العربية يجد أنها تتفاقم باستمرار، وتتحول من مشكلات عادية، أو أزمات متوسطة الخطورة إلى أزمات معقدة وخطيرة، أو إلى أوضاع خارجة عن التحكم والسيطرة، نتيجة للتهور والتسرع، وعدم أخذ الحيطة والحذر أحياناً، وعدم اعتماد التدابير والقرارات اللازمة في الوقت المناسب.

لقد بات من الضروري أيضاً إحداث هيئات تعنى باليقظة الاستراتيجية، مع تشجيع البحث العلمي في هذا الخصوص، ما سيساهم حتماً في التقليل من الهدر والاستنزاف الذي تتعرض له المنطقة في مختلف المجالات والقطاعات الحيوية.

[email protected]

عن الكاتب

​باحث أكاديمي من المغرب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/y562nzam