عادي

ليبيا.. اشتعال معركة الانتخابات

22:27 مساء
قراءة 4 دقائق

د. محمد فراج أبو النور*
بعد قبول المفوضية العليا للانتخابات أوراق 98 مرشحاً، ورفضها 25 مرشحاً، بينهم سيف اتجه القذافي الابن إلى القضاء طالباً الحكم ببطلان قرار عدم قبول ترشيحه، ليفاجأ محاموه بقيام «مجهولين» بالهجوم على مبنى المحكمة وطردهم خارجها، ثم بامتناع بعض أعضاء دائرة الطعون بمحكمة استئناف «سبها» عن حضور جلسة النظر في الطعن، قبل أن توافق المحكمة لاحقاً على قبول الطعن وادراجه ضمن قائمة المترشحين.

والحال نفسه كان مع رئيس الحكومة المؤقتة عبدالحميد الدبيبة - الذي كانت المفوضية العليا قبلت أوراقه، وأعلنت اسمه في قائمة المرشحين، حيث واجه طعنين أمام دائرة الطعون في محكمة استئناف طرابلس، قبلتهما المحكمة وأصدرت قرارها بشطب اسمه من قائمة المرشحين، لكنه استأنف الحكم وعاد اسمه إلى القائمة. وكان وزير الداخلية السابق والزعيم السياسي لميليشيات مصراتة فتحي الباشاغا قد تقدم بأول الطعنين، بينما تقدمت مجموعة من المرشحين بالطعن الثاني.

وكان الدبيبة يواجه مشكلتين قانونيتين كبيرتين أولاهما تتصل بانتهاك المادة 12 من قانون الانتخابات الرئاسية، التي تقضي ب«تعليق» الراغب في الترشيح لمهام منصبه التنفيذي قبل ثلاثة أشهر من موعد إجراء الانتخابات، لمنع استخدام صلاحيات وتسهيلات المنصب في التأثير على الناخبين، وهو ما قام به الدبيبة فعلاً، بل ويستمر في ممارسة مهام منصبه حتى بعد ترشيح نفسه للرئاسة قبل شهر واحد من الانتخابات.

المشكلة القانونية الثانية هي أن الدبيبة كان قد قدم تعهداً مكتوباً بعدم الترشح لأي منصب، هو وجميع أعضاء لجنة ال 75، لكنه لم يلتزم بهذا التعهد.. وبناء على هذين السببين كان قرار المحكمة بشطب ترشيحه.

وواضح أن المفوضية العليا لم يكن ينبغي أن تقبل أوراق ترشيح الدبيبة لمخالفتها للقانون.. لكنها قررت قبول الأوراق وإلقاء الكرة في ملعب القضاء.

القذافي والقانون

أما بالنسبة لسيف الإسلام القذافي فإن المفوضية قبلت أوراقه، لكنها لم تدرجه في قائمة المرشحين، لكنها عادت وأدرجته من جديد بعد أن أصدرت محكمة سبها قراراً برفض الطعن المقدم ضده.

وكانت المفوضية قد قبلت مذكرة من «المدعي العام العسكري» لجيش طرابلس يطلب فيه عدم قبول أوراق القذافي وحفتر متهماً إياهما بأنهما «مجرما حرب».. علماً أن «المدعي» المذكور ليس من حقه مخاطبة المفوضية أصلاً، فضلاً عن كونه مرؤوساً لأحد المرشحين المنافسين «الدبيبة بصفته وزيراً للدفاع». وكان الأخير قد عينه قبل أسابيع من فتح باب الترشيح، ما يلقي بظلال من الريبة على تدخل في مسألة الانتخابات، والأكثر من ذلك أنه أصدر قراراً بالقبض على كل من القذافي وحفتر «القائد العام للجيش الوطني»!

ومن ناحية أخرى فإن المحكمة الجنائية الدولية أعلنت أن «سيف الإسلام» مطلوب للمثول أمامها، بالتزامن مع تقديم أوراق ترشيحه. ومعروف أن القذافي الابن كان قد صدر ضده حكم بالإعدام من محكمة جنايات طرابلس، لكن المحكمة العليا أصدرت حكماً ببراءته.. ما يسقط حق «الجنائية الدولية» في محاكمته، ما دام قد تمت تبرئته بحكم أعلى محكمة في بلاده.. وبذلك أصبح موقفه القانوني سليماً.

وبغض النظر عن الموقف السياسي لهذا الطرف أو ذاك من أي مرشح، فإن احترام القانون واجب إلزامه، والقاعدة القانونية يجب أن تكون مجردة لا تخضع للأهواء والتلاعبات السياسية.. والحال أن البرلمان الليبي قد أقر قانون الانتخابات الرئاسية.. وأن البعثة الأممية المشرفة على تنفيذ «خريطة الطريق» قد وافقت على إجراء الانتخابات وفقاً لهذا القانون، والمفوضية العليا للانتخابات قد بدأت إجراءات الترشيح على أساسه، وبالتالي فليس مقبولاً أن ينتهكه أي طرف.

إن هذا موقف قانوني ملزم بغض النظر عن الموقف السياسي لأي طرف بما في ذلك «الجنائية الدولية» من القذافي الابن أو نظام والده، أو من أي مرشح آخر.

وجدير بالذكر هنا أن محكمة استئناف «بنغازي» قد رفضت طعناً في ترشيح المشير حفتر، ومعروف أنه كان قد «علق» ممارسته لمهام منصبه قبل موعد الانتخابات بثلاثة أشهر، استجابة لمقتضى (المادة 12) من قانون الانتخابات الرئاسية.

مخاطر تسييس القانون

والواقع أن محاولة «تسييس» القواعد القانونية وإخضاعها للمواقف والأهواء المختلفة يؤدي إلى إهدار القانون في نهاية المطاف، ومن ثم إلى إهدار الشرعية. بينما الهدف من إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية هو تأسيس شرعية جديدة في ليبيا تقوم على صناديق الانتخابات.

ويمكن ألا تكون العملية الانتخابية الجارية في ليبيا الآن «نموذجية».. ولكن من الواضح في هذا أفضل ما تمكنت الأطراف المختلفة من التوصل إليه، باتفاق الأغلبية البرلمانية، وبعثة الأمم المتحدة المشرفة على تطبيق «خارطة الطريق» والممثلة للمجتمع الدولي بكل مشكلاته المعروفة والمصالح المتناقضة لأطرافه.. مع اتفاق هذه الأطراف جميعاً على ضرورة إجراء الانتخابات بالحد الأدنى من التوافق الذي تم التوصل إليه.

والواقع أن «مناكفات» الغرب الليبي، والأطراف النافذة فيه، وفي مقدمتها جماعة «الإخوان» والميليشيات المسلحة التابعة لها، وإصرار هذه الأطراف على رفض قانون الانتخابات، واتخاذ خطوات مثل طلب «المدعي العسكري» القبض على المرشحين، والتهديد باستخدام القوة لمنع الانتخابات، أو عدم الاعتراف بنتائجها إذا جاءت على غير هواهم.. كلها أمور تهدد بنسف العملية الانتخابية أصلاً، أو بإجرائها في ظروف تفتقر إلى الحرية والنزاهة والشفافية، وبالتالي إلى التهديد بنسف فرص تأسيس شرعية جديدة عبر صناديق الانتخابات، وبوسعنا أن نتصور ردود الأفعال المحتملة في «الغرب» مثلاً إذا فشلت محاولة الدبيبة للعودة إلى قائمة المرشحين، بعد كل «التجهيزات» التي قام بها لمغازلة الرأي العام خلال الأشهر الماضية..

لماذا استقال كوبيش؟

وعلى ضوء هذا كله يبدو مفهوماً أيضاً السبب في استقالة المبعوث الأممي كوبيش «المفاجئة» قبل الانتخابات بأسابيع قليلة. فترشيح الدبيبة لنفسه يمثل تحدياً مباشراً ل«خريطة الطريق» والتعهدات المرتبطة بها، وكذلك التهديدات المستمرة وتحركات الميليشيات الهادفة لإفشال الانتخابات، مما يجعل استمرار الرجل في منصبه أمراً لا معنى له، إذ سيتحول في حال بقائه في منصبه بمثابة «شاهد زور» على ما سيحصل بما يتعارض مع قناعاته. وهو الذي كان قد أبدى حماساً كبيراً لخطة لجنة (5+5) لإخراج القوات الأجنبية والمرتزقة، ووصفها بأنها «لحظة تاريخية».

وخلاصة القول إن الانتخابات الرئاسية الليبية تظل في دائرة الغموض والشكوك والخطر.

* كاتب مصري

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"