خيار الاستثمار في التكنولوجيا

00:08 صباحا
قراءة 3 دقائق

د.إدريس لكريني

شهد العالم تطورات مذهلة خلال العقود الثلاثة الأخيرة، كان لها الأثر الكبير في ما يتعلق بتغير وتبدل مفهوم القوة، الذي لم يعد مقترناً بالجانب العسكري؛ بل تجاوز الأمر ذلك إلى مقومات اقتصادية واستراتيجية، وامتلاك ناصية التكنولوجيا الحديثة، التي أصبحت توفر أساساً للتطور والنمو في عدد من المجالات العلمية والعملية، وقد تبين من خلال الوقائع، والتجارب الدولية الرائدة في هذا الخصوص، أن امتلاك هذا المقوم هو مدخل أساسي كفيل بتحويل كل العناصر والإمكانات التي تملكها الدولة، بشرية كانت أو طبيعية أو اقتصادية أو عسكرية، إلى قوة فعلية، تتيح لها الاستئثار بمكانة محترمة بين الأمم في عالم اليوم.

لقد أضحت «الرقمية» سمة أساسية من سمات عصر العولمة، فاستحضارها ضمن آليات الإدارة الحديثة هو أحد مقومات ومكونات الحوكمة، كما أكدت الكثير من الدراسات والتقارير العلمية، وكذا التجارب الدولية الميدانية، على العلاقة القائمة بين توظيف التكنولوجيا من جهة أولى، وتخليق الحياة العامة، وضمان شفافية المعاملات المختلفة من جهة ثانية.

كما لا تخفى التأثيرات الإيجابية التي يتيحها الذكاء الاصطناعي على مستوى تطبيق ومواكبة السياسات العمومية ومختلف البرامج التنموية، علاوة على دوره في تعزيز التنافسية الاقتصادية وجلب وجذب الاستثمارات، وتعزيز مؤشرات التنمية الإنسانية.

تنبّهت الكثير من دول العالم التي تنظر بعين استشرافية إلى المستقبل، إلى ما تزخر به التكنولوجيا الحديثة، من فرص، فراحت تستثمر في هذا المجال الحيوي.

وتعتبر دولة الإمارات العربية المتحدة من ضمن الدول التي راهنت بشكل مبكر على هذا الخيار، ما جعلها تسعى إلى إرساء دعائم الحكومة الإلكترونية قبل أكثر من عقدين من الزمن، ليتعزز الأمر مع الاشتغال على المدينة الذكية، ثم إحداث وزارة قائمة بذاتها تعنى بالذكاء الاصطناعي، لتعطي بذلك دفعة قوية في هذا الشأن، مكنت من إرساء مجموعة من النظم الذكية، وتوطين هذه التكنولوجيا داخل القطاعات الحكومية والخاصة، كما تم إحداث وزارة الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة، كسبيل للمزج بين قطاعين حيويين، بما يتيح تشجيع القطاع الصناعي، وجعله مبنياً على المعرفة والابتكار.

ومن جهة أخرى، أولت دولة الإمارات اهتماماً كبيراً لاكتشاف الفضاء، اقتناعاً منها بأن ذلك يشكل استثماراً حقيقياً وواعداً في المستقبل، وبخاصة أن عالم اليوم بتعقيداته وتحدياته الكبرى، يفرض التسلح بالعلم والمعرفة لتغيير الواقع وتسخيره بصورة تدعم التنمية وتحقيق الرفاه، وإدارة المخاطر والأزمات بقدر من الكفاءة والجاهزية،

فالاستثمار في هذا العلم وما يتصل به من تكوين كفاءات بشرية، وتوفير بنيات تحتية، وأجهزة متطوّرة، لا ينبغي النظر إليه كترف أو مجرد إهدار للأموال والإمكانيات؛ بل كضرورة ملحة تقتضيها المتغيرات الداخلية والدولية الراهنة.

وفي هذا السياق، وضمن أولى المبادرات العربية في هذا الشأن، تم إطلاق القمر الصناعي «خليفة سات» في عام 2018، قبل إطلاق «مسبار الأمل» في عام 2020 ضمن مهمة استكشافية علمية نحو كوكب المريخ.

إن ما حققته دولة الإمارات من منجزات اقتصادية وتنموية، ومكتسبات هائلة في مجال ريادة المال والأعمال، لم يكن صدفة، بقدر ما هو نتاج لتحويل الإمكانيات المتاحة إلى قوة فعلية لعب فيها الانفتاح المبكر على التكنولوجيا الحديثة دوراً لا يخلو من أهمية.

مثلت جائحة كورونا بمخاطرها وتحدياتها التي أرهقت حتى القوى الدولية الكبرى، محطة تبين معها أن امتلاك التكنولوجيا الحديثة وحسن توظيفها في إطار من المسؤولية والحوكمة، هو أحد السبل الاستراتيجية الكفيلة بتذليل الكثير من الصعاب والمخاطر التي أفرزها تمدد الوباء.

وقد استطاعت دولة الإمارات العربية المتحدة، أن تستثمر بشكل جيد هذه التكنولوجيا وما يتصل بها من بنية تحتية متطورة، وإدارة ذكية في ضمان وتعزيز الأمن الصحي لمواطنيها، سواء على مستوى التواصل والتوعية بخطر الوباء، أو فيما يتعلق بدعم جاهزية مختلف المصالح والهيئات وإتاحة المعطيات الصحية، أو توفير شروط العمل والإدارة عن بعد بصورة تدعم استمرارية سير عمل المرافق بصورة منتظمة تلبي حاجات المجتمع، أو فيما يتعلق بالمحافظة على استمرارية الخدمات التعليمية في إطار من السلاسة والجودة، مع احترام متطلبات الوقاية الصحية، وكذا التسوق في إطار من المرونة والفاعلية.

إن الاستثمار المبكر لدولة الإمارات في المجال الرقمي، كان له الأثر الكبير في تعزيز مؤشرات التنمية، وفي دعم جاهزية التعامل مع مختلف الأزمات المحتملة، كما هو الشأن في جائحة كورونا، مما كان له الأثر الكبير في تجنيب المجتمع الكثير من المخاطر.

[email protected]

عن الكاتب

​باحث أكاديمي من المغرب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"