قلب دافئ يحكم في أقصى الأرض

00:53 صباحا
قراءة 3 دقائق

سليمان جودة

قيل دائماً عن تشيلي إنها أبعد نقطة على ظهر هذا الكوكب، وأنك إذا كنت فيها فإن خطوتين فقط من جانبك عند حافتها كفيلتان بأن تجعلانك تسقط من فوق الأرض.

وهذا طبعاً حديث مجازي، لكنك إذا جربت أن تتطلع من هنا في الشرق الأوسط إلى موقعها على خريطة العالم، فسوف تبدو لك هناك في أقصى الخريطة، وسوف تراها شريطاً طولياً يتمدد على شاطئ المحيط الهادي في جنوب غرب أمريكا الجنوبية.

ولكن هذا لا يمنع أنها قريبة منا بمقاييس اتصالات العصر التي تقرب كل بعيد، وبحكم عولمة العصر التي فتحت الحدود على بعضها، لولا فيروس «كورونا» اللعين الذي يحاصرنا في كل اتجاه، والذي يجاهد ليغلق الحدود كلما عادت إلى طبيعتها الأولى، والذي يظهر منه متحور جديد كلما توارى متحور قديم، فكأنه أخطبوط تتخلق فيه ذراع جديدة كلما قطعنا ذراعاً من بين أذرعته الكثيرة.

هذا الأسبوع كانت أخبار تشيلي تحتل المانشيتات في وسائل الإعلام، ولم يكن السبب أن انتخابات رئاسية جديدة جرت فيها، فما أكثر ما جرت فيها انتخابات منذ سقوط حاكمها الأشهر سلفادور الليندي قبل 48 عاماً؛ لكن السبب كان أن المرشح الفائز في انتخاباتها الرئاسية هو شاب في السادسة والثلاثين من عمره، وأنه ينتمي إلى تيار اليسار السياسي المعتدل الذي يعود إلى الحكم هناك بعد غياب طويل.

الرئيس الجديد اسمه جبرييل بوريتش، وقد فاز على مرشح يميني متطرف، وكانت الأغلبية بين مؤيديه من الشباب والنساء.

ولا بد أن فوز مرشح يساري معتدل في هذه الأيام يستحق الحفاوة، ويستأهل منا أن نتوقف أمام فوزه، لأن اليمين السياسي المتطرف، يكسب أرضاً جديدة في العالم كل يوم، ولأن الأفكار التي يحملها ويروج لها مرشحو هذا اليمين تبدو متحاملة على الإنسان كإنسان في كل مكان.

وهل هناك على سبيل المثال أكثر من أن يترشح في الانتخابات الفرنسية التي ستجرى في إبريل/ نيسان المقبل رجل اسمه إريك زيمور، فلا يكون له شيء يشغله منذ الآن وهو يروج لنفسه انتخابياً، سوى أن يتحدث عن طرد المهاجرين إلى بلادهم إذا فاز، وأن يتكلم عن نيته طرد المسلمين والعرب منهم بالذات؟!

إن فوز شاب مثل بوريتش في تشيلي يحيي الآمال في شيء من التوازن في هذا العالم، بين سياسات اليمين السياسي المتطرف، التي تضع الحدود والسدود أمام حركة الإنسان، والتي لا تلتفت كثيراً إلى البُعد الاجتماعي الذي يجب عليها مراعاته، وسياسات المعتدلين التي تنحاز بطبيعتها إلى الإنسان وحقه في أن ينعم على يد حكومته وفي عالمه بما يحفظ له كرامته، وإنسانيته، وآدميته.

ولذلك لم يكن غريباً، أن تنهال برقيات التهنئة على بوريتش من مناوئي اليمين المتطرف في القارة الأمريكية الجنوبية، وأن يجد الساسة المنتسبون إلى هذا التيار في فوز الرجل طاقة من النور، يمكن أن تفتح أمامهم الطريق إلى فوز مماثل في مقبل الأيام، فهذا ما سوف تفهمه من برقية تهنئة جاءته مثلاً من لولا دي سيلفا الرئيس اليساري السابق، والمرشح للانتخابات الرئاسية الآن في البرازيل.

وعندما وقف بوريتش يخطب في مؤيديه بعد الإعلان عن فوزه، قال: جئت إلى السياسة بيد نظيفة، وعقل بارد، وقلب دافئ. ولا يعني القلب الدافئ في حديثه، ولا اليد النظيفة، سوى الانحياز مسبقاً إلى الإنسان في بلاده، وفي غير بلاده على السواء.

[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"