عادي

أوروبا.. في انتظار القائد الجديد

22:32 مساء
قراءة 4 دقائق

كتب المحرر السياسي:
صناعة القادة تتطلب توافر شروط ذاتية وأخرى موضوعية، وهو ما توافر للمستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل، التي قادت الاتحاد الأوروبي رمزياً على مدى ستة عشر عاماً، وتركت فراغاً سياسياً وشاغراً على مستوى قيادة الاتحاد معنوياً، في ظروف تواجه فيها الكتلة تحديات تتطلب بديلاً مناسباً ربما لا يكون متاحاً في الوقت الراهن سوى في مخيلة بعض المراقبين.

يأتي اهتمام المحللين بهذه القضية من تسارع الأحداث في الجوار الأوروبي سواء ما تشهده الحدود الأوكرانية، أو قضايا الأمن الأوروبي التي ترنحت في ظل موقف أمريكي متردد، وحتى قضية الهجرة والتهديدات التي تمثلها لتماسك الوحدة الأوروبية في ظل خلافات الدول الأعضاء بشأنها، فضلاً عن الركود الاقتصادي وما ينتج عنه من اضطرابات سياسية غيرت خريطةا لأحزاب السياسية العريقة ومنها حزب ميركل .

ثلاثة مرشحين

وكثرت التكهنات حول الخليفة المنتظر للمستشارة إلا أن أبرز المرشحين في الوقت الحالي لتولي هذه المهمة التي لا يتم التكليف بها بمرسوم أو قرار، خليفتها في زعامة ألمانيا أولاف شولتس، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيس الوزراء الإيطالي ماريو دراجي.

لكن التقارير تشير إلى وجود مخاوف من أن لا يكون أي من الزعماء الثلاثة قادراً على تولي المهمة فوراً، نظراً للتحديات التي لا تزال ماثلة أمام الاتحاد الأوروبي - بدءاً من الخلاف الداخلي حول سيادة القانون إلى مخاطر التهميش الجيوسياسي، إلى تبعات «البريكست»

وفي ظل تولي فرنسا رئاسة الاتحاد الأوروبي اعتباراً من أول يناير الجاري، قد تزداد أسهم ماكرون الذي رفع يافطة «أوروبا القوية»، وتمكن من كسب تأييد ميركل، لمواجهة تعنت الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب في حربه التجارية ضد القارة. وفي رفع مظلة الدفاع عن أوروبا التي لعبت دوراً مهماً في تغيير قناعات الطبقات السياسية في برلين والتحول للبحث عن الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي وقوة الردع الأوروبية بقيادة ألمانية فرنسية مشتركة.

ويدافع ماكرون بقوة عن «السيادة الأوروبية» و«الاستقلال الاستراتيجي». ولا شك أن حضوره كرئيس لأكبر قوة عسكرية في الكتلة، مع الترسانة النووية الوحيدة في الاتحاد الأوروبي، يعطيه دفعاً أقوى ويزيد من حظوظه.

لكن وسط تغيير الحرس في برلين، وقع ماكرون مؤخراً اتفاقية تعاون ثنائي جديدة مع ماريو دراجي رئيس الوزراء الإيطالي. وحتى لو دافع الرئيس الطموح البالغ من العمر 43 عاماً عن نفسه بالقول إن فرنسا لا تسعى إلى استبدال العلاقات الفرنسية الألمانية، فإن توقيت الاتفاقية يأتي في الوقت الذي يعيد فيه الاتحاد الأوروبي تنظيم نفسه لمواجهة عدد من الأزمات.

لكن الزعيم الفرنسي يواجه انتخابات عام 2022، حيث يشكل اليمين المتطرف تحدياً كبيراً في وجه استمراريته. وبغض النظر عن النتيجة، قد يتم تقييد فرنسا بالسياسة الداخلية لفترة من الوقت، ما يؤدي إلى خنق قدرتها على تطوير رؤية كبرى لأوروبا.

وقد أعلن تحالف شولتس القادم من الاشتراكيين الديمقراطيين وعالم البيئة وحزب الحرية الديمقراطي الليبرالي، في اتفاقه أن «مهمته كدولة قوية اقتصادياً ومكتظة بالسكان في قلب أوروبا هي تمكين أوروبا ذات السيادة وتعزيزها والنهوض بها».

من هنا بدأت الرؤية الفرنسية لأوروبا القوية وهو الطموح الذي دافع عنه ماكرون منذ وصوله إلى السلطة.فرصة شولتس

ويمكن أن ينتهز شولتس، وهو سياسي متمرس خدم في اثنتين من وزارات ميركل، الفرصة كخليفة لميركل. لكن المحللين يحذرون من أن الزمن قد تغير، وأن المزيد من «الميركلية» قد لا يناسب العصر الجديد. ولا يبدو أن سياسة تجنب الحلول الصعبة لمآزق أوروبا قابل للتطبيق في مواجهة التحديات .

ففي ألمانيا التي وصفت لفترة طويلة «بسويسرا الكبرى» بسبب ميلها إلى التركيز على ازدهارها الاقتصادي من دون التورط كثيراً في القضايا الدولية الكبرى، لا تزال التفاعلات تنذر بالمزيد. فقد أكد برنامج الحكومة الجديدة على تعزيز السيادة الاستراتيجية للاتحاد الأوروبي. في الوقت نفسه، سوف يتولى شولتس رئاسة مجموعة السبع اعتباراً من الشهر المقبل.

لكن لتولي القيادة الأوروبية، سيتعين على المستشار الجديد ، أن يكون أكثر حزماً. ولا بد له من إعلان القطيعة مع «الميركلية»، أي الدبلوماسية القائمة على البحث الدائم عن حل وسط، والانتظار في وقت الأزمات وإعطاء الأولوية للمصالح الاقتصادية بما في ذلك مع الأنظمة غير الديمقراطية.

قطب جديد

وبانتظار أن يحسم قطبا القوة الأوروبية أمرهما، ظهر قطب جديد من الجنوب الذي كان يعاني الديون في السابق. فقد حقق ماريو دراجي، الذي لمع نجمه في قيادة البنك المركزي الأوروبي، الاستقرار في بلد كان في يوم من الأيام نموذجاً للاضطرابات السياسية والفضائح. فهل يملأ فراغ التوافقات التي برعت فيها ميركل في تكتل يعاني الكثير من الخلافات؟

يمكن لدراجي أن يضخ ديناميكية جديدة في القطاعات الرئيسية للتكامل الأوروبي، من إصلاح الحوكمة إلى السياسة الخارجية والدفاع، بالتعاون مع فرنسا وألمانيا.

وقد تغير الانتخابات الرئاسية الإيطالية بداية عام 2022 الصورة بشكل جذري، حيث يوصف دراجي أيضاً بأنه واحد من أكثر المرشحين المحتملين مصداقية، في هذا السباق.

لكن ما يمنح دراجي الكثير من الدعم، حضوره المميز وأسلوبه التكنوقراطي والدبلوماسي، والذي يذكرنا بأسلوب ميركل. كما أن سجله في حياته المهنية كخبير اقتصادي حاصل على درجة الدكتوراه وعلى جائزة نوبل، ودوره في رئاسة البنك المركزي الأوروبي، يعزز فرص صعوده في مواجهة منافسيه الألماني والفرنسي.

إلا أن ما يحسم المنافسة على تبوُّؤ مركز القيادة في قارة منهكة لا يقتصر على توافر المزايا الشخصية لهذا الزعيم أو ذاك، بل إن تطورات الوضع الداخلي في الدول الثلاث أولاً، وفي المحيط الأوروبي ثانياً، سيكون لها الكلمة الفصل في صنع القائد الأوروبي الجديد.

صحيح أن القوة الاقتصادية الألمانية تصب في صالح شولتس والقوة العسكرية الفرنسية تصب في صالح ماكرون، إلا أن القيادة الأوروبية هي مزيج من عدد من القوى ربما يكون أهمها قوة الإرادة في اتخاذ القرارات الحاسمة في التوقيت الدقيق، والرؤية الاستراتيجية لمستقبل لا يزال محفوفاً بالعديد من المعطيات التي قد تتطلب قيادة جماعية منسجمة أكثر من زعيم فرد بمواصفات استثنائية.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"