«النهضة» والقضاء العادل

00:41 صباحا
قراءة 3 دقائق

كمال بالهادي

خلال السنوات الماضية، تشبّث زعماء «حركة النهضة» في تونس بالقضاء حكماً عادلاً، بينهم وبين من يتهمونهم بأنّهم ارتكبوا قضايا فساد أو حتى اغتيالات سياسيّة. وفي كل ملف يطرح، يسارع قادة «النهضة» إلى تأكيد أنّ القضاء هو الفيصل، غير أنّه وفي الفترة الأخيرة، بدت الثقة المطلقة في القضاء تضمحل، وبدا خطاب «حركة النهضة»، مائلاً إلى التشكيك في سلامة المسارات القضائية التي أعقبت قرارات الخامس  والعشرين من يوليو/تموز.

 فهل كانت تلك الثقة المطلقة في القضاء ناتجة عن استقلالية فعلية للمرفق القضائي وللسلطة القضائية، أم أنها كانت ثقة في جهاز استطاعت السيطرة عليه كما يقول خصومها؟ وهل بإمكان «النهضة» اليوم ومع بدء فتح ملفات ثقيلة لقادتها، الاستمرار في القول إن القضاء مستقل، وإن ما يحكم به هو الحكم العادل؟

 في الأسابيع الأخيرة، بدأت المعركة الحقيقية، إثر قرارات الخامس والعشرين من يوليو/تموز، فرئيس الجمهورية قيس سعيّد، لم تخل خطاباته المتعددة من الإشارة إلى ضرورة تطهير القضاء وتخليصه من سيطرة «حركة النهضة»، فهو قد أشار فعلياً إلى أنّ السلطة القضائية ينخرها الفساد، حتى أنه استعمل صراحة عبارة «قضاء فلان»، ويعني به ما يتداوله التونسيون من عبارة «قضاء البحيري» أحد قيادات «حركة النهضة» والذي تم وضعه تحت الإقامة الجبرية منذ أيام. ويبدو أنّ الخطوة التي أقدم عليها وزير الداخلية توفيق شرف الدين، في خصوص نورالدين البحيري، قد شكلت نقطة مفصلية في مشروع الرئيس وهو تطهير القضاء، وليس مستبعداً أن تتلوه قرارات أخرى أكثر جرأة، لحسم المعركة وبدء محاسبة حركة النهضة عن كل الملفات التي وقع اتهامها فيها.

 منذ أيام اعترف حمادي الجبالي (رئيس الحكومة السابق )، وأحد قيادات حركة النهضة بأنه هو من هرّب أحد الأشخاص الذين قاموا بتفجير نزلين في 02 أغسطس /آب سنة 1990، في مدينتي سوسة والمنستير وهو عمل إرهابي وحكم على منفذه بالإعدام. مثل هذا الاعتراف يمكن أن يعيد المتابعة القضائية لرئيس الحكومة السابق، كما أنّ مصادر متعددة تقول إنّ رئيس الوزراء الليبي السابق البغدادي المحمودي، سيتولى رفع قضايا ضد المسؤولين التونسيين الذي قاموا بتسليمه إلى الميليشيات التي تحكم ليبيا، في 24 يونيو/حزيران عام 2012، والتي حكمت عليه بالإعدام، لكن أفرج عنه في يوليو/تموز 2020، لأسباب صحية.

ويبدو أنّ هذا الملف سيجرّ قيادات كبرى في «حركة النهضة» إلى المساءلة القضائية، خاصة بعد أن فتح القضاء التونسي تحقيقات واسعة في مصادر تمويل وإثراء قيادات «النهضة». 

 ضمن هذه المتغيرات الجديدة، يقول الكاتب والمحلل السياسي رياض الصيداوي إن الرئيس سعيّد، قد بدأ فعلاً في إطلاق صواريخه «القانونية» والتي قال في أكثر من مرة إنها جاهزة على منصاتها. أما القاضي السابق بالمحكمة الإدارية حمد صواب فقال إن «البحيري، ارتكب مجزرة في حق القضاة». فيما دعا «مرصد تونسيون من أجل قضاء عادل» إلى حل المجلس الأعلى للقضاء، واعتبرت رئيسة المرصد وفاء الشاذلي أن البيانات الأخيرة للمجلس الأعلى للقضاء فيها تمرد وعصيان خطير على الدولة، وتستدعي تحريره من ربقة الأحزاب السياسية الممثلة فيه حسب تعبيرها. كما طالبت بالكشف عن مآل الأموال المرصودة لتحسين المرفق القضائي والبنية التحتية للمحاكم ورقمنة المنظومة القضائية.

 ويتّضح أنّ عهد ما سمّي ب «قضاء البحيري» قد انتهى، وأنّ مرحلة جديدة، ستهبّ على السلطة القضائية  ولن تستثنيها من تغيير جذري، فهل ستقبل «النهضة» بأحكام قضاء مستقل عن نفوذها؟ وهل ستظل على رأيها السابق، بأنّ الفيصل هو القضاء؟ إنه امتحان عسير لكل الأطراف في تونس، فإن كانت «النهضة» قد أخطأت أو تدخلت في القضاء أو سعت إلى السيطرة عليه وتوجيه أحكامه، فما عليها الآن إلاّ أن تقبل بأحكامه، وتتحمل مسؤولية الأخطاء التي قد تكون ارتكبتها.

[email protected]

عن الكاتب

كاتب صحفي وباحث في قسم الحضارة بجامعة تونس

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/587xap25