الفن.. أثر وتأثير

00:06 صباحا
قراءة دقيقتين

الانغماس في عالم الفن، هو انغماس مطلق لكل الحواس التي وهبها الله لذلك المبدع، يطلق روحه في سماء لا حدود لها، تنتشي وتتعالى، ثم تهبط على أرض لا وصف لها، هو التجرد من الإنسانية المقيّدة بصفات وأطر خانقة، والتحليق في فضاءات الحب والانبهار الذي يتغلغل في ذرات الفؤاد والجسد، هو بكلمة واحدة «الاحتفاء».
 الاختفاء من نمط الحياة التقليدي، والإبحار في كوكب لم يُكتشف بعد، في أبعاد وأشكال، في تقلبات نفسية وتموجات آنية، في القلق والسهر، في الاكتشاف والتجرد، في الحرية والسؤال، في الوجود وفي مرسم مغلق، في البشر وحدودية المشهد، في البحور عالية الموج في داخل النفس وانتصار الفرح بإنقاذها على صورة «لوحة». الفنانون الحقيقيون ليسوا أصحاب الوقت، بل هم من يخبر الوقت أن يتمادى ويطول في تلك الحجرة التي أسموها المعتزَل، وإن كنت أقول إنها «مصلّى» خاص يستشعر فيه الفنان قيمة نعمة الله في أن جعله يتفجر كلما استطاع، إبداعاً وحقيقة، قصصاً وصورة، إلهاماً وحباً، وقبل كل ذلك، إنسانية تشع وتنطلق من أبعاد الخيال، الفنانون الحقيقيون، تحمّلوا أن يعطوا من روحهم لأعمالهم، أن يتعايشوا بصدق مشاعرهم معها حتى وُهبت حالة النطق أمام المتفرج، هؤلاء يهيمون في حالة أحياناً أستطيع أن أقول إنها «اللاوجود»، لأنهم يتركون أنفسهم لروحانية بعيدة وعميقة، وهذا ما نستشعره حين نقترب منهم، إنهم مختلفون، لا أبجّلهم فهُم قلّة، بل أطلق لهم سيلاً من الاحترام لوفائهم لموهبة الله.
هؤلاء الفنانون، حين يعرضون فإن لهم ولفنهم أثراً من وراء كل تفصيلة أمامك، لها تأثير آني وتاريخي، يقبل عليك بصمت ويأسرك، حين يعرض فهو إنسان أعلن العتق من حب المولود، وأننا نحن المنتظرين خارجاً، سمح لنا بالدخول حتى نتلقى خبر الفرح ونهنئ، اليوم يهم كثيراً أن يكون هناك عرض ومعرض يحتوي هؤلاء الحقيقيين، أن يكون لهم من يتولى عنهم كل شيء حين يعلنون فتح الأبواب لتلقي ما أنتجوا، فمحزن حقاً ألا يجدوا حين تحين تلك اللحظة، من يدعمهم، أو يطمئنهم، أنه مرتقبون منتظرون. كثيراً ما نسمع من الفنانين افتقارهم إلى وجود مراسم حقيقية تخصّهم، مؤسسات، أو «جاليريات» محلية وعالمية تحتضنهم، وتعرض لهم، آخذين على عاتقهم كل ذلك التعب النفسي والمادي الذي يجب ألا يكون على الفنان بعد أصل التعب الذي عاشه، وألا يساق من جوّه الذي ينتمي له لينشغل بما ليس دوره. هناك افتقار إلى ذلك، وهذا الافتقار غير مشجع، وغير دافع للتفاعل والتفاؤل لوجود معارض حقيقية لفنانين حقيقيين لدينا. وكلّي أمل أن الحال لا يدوم، وقريباً تكون هناك استراتيجية، محلية عالمية، لإطلاقهم لفضاءات لا تنتهي، هنا وخارج حدود الوطن. دمتم مشتعلين بهمّ الفرشاة، اللون والحب.
[email protected]

عن الكاتب

مؤلفة إماراتية وكاتبة عمود أسبوعي في جريدة الخليج، وهي أول إماراتية وعربية تمتهن هندسة البيئة في الطيران المدني منذ عام 2006، ومؤسس التخصص في الدولة، ورئيس مفاوضي ملف تغير المناخ لقطاع الطيران منذ عام 2011

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"