الطريق التي لا تؤدي إلى مكان

00:16 صباحا
قراءة دقيقتين

د. حسن مدن

على سبيل التهكم، وربما النقد الشديد، نقول عن طريق من الطرق إنها لا تؤدي إلى مكان، فهي طريق مسدودة، وهي عبارة فيها شيء من الواقع وفيها شيء من المجاز. والمجاز ماكر، لكن ليس كل ما هو ماكر قرين الشرّ. نلوذ بالمجاز حين لا نقوى على القول المباشر.
الطريق المسدودة ليست فقط تلك الطريق التي يصادفنا في نهايتها حائط لا يمكن تسلّقه، أو نهر لا يمكن عبوره، فقد تكون هدفاً نضعه نصب أعيننا ونعمل في سبيل إنجازه، فنكتشف بعد حين أنه «غير واقعي»، أو قد تكون خطة تنمية تتبناها دولة من الدول تحسب أنها ستأخذها إلى بر الأمان، لتكتشف عند منتصف الطريق أو بالقرب من نهايته أن لا بر أمان في الأفق.
هناك من يرى أن الأمان هو في السير في طرق مجربة، ف«هُناك من سبقت خُطاه خُطاي، من أملى رؤاه على رؤاي»، يقول محمود درويش. لكن من بوسعه الجزم أن الطرق المجربة هي الأفضل دائماً؟ أليس جديراً بالناس أن تجترح طرقاً أخرى غير تلك المعتادة، فلعلها أسرع وأجدى وأقل مخاطر؟ لكنّ قولاً آخر يؤكد قائله إنه تعلّم الحكمة من الرجل الضرير لأنه لا يضع قدمه على الأرض إلا بعد أن يختبر الطريق بعصاه. البصيرة أبعد نظراً من البصر.
«طريق الألف ميل يبدأ بخطوة واحدة»، هكذا تقول حكمة صينية متوارثة، أدرجها زعيم الصين ماوتسي تونج في كتابه «الأحمر» وهو يحث شعبه لا على الخطوة الأولى وحدها على الطريق التي رسمها لهم، وإنما على مواصلة السير عليها لقطع كامل الألف ميل، فما أن تقرر بدء الرحلة حتى تظهر الطريق، لأن «خطوة واحدة لن تعبّد طريقاً على الأرض، كما أن فكرة واحدة لن تغيّر شيئاً في العقل». وحده تتابع الخطوات يحقق ما ندعوه بالتراكم، تراكم التجارب والخبرات والمعارف، بما فيها تلك الآتية كدروس من الأخطاء التي يقع فيها الأفراد، وتقع فيها الأمم. غبي من يكرر الوقوع في الخطأ نفسه مرتين فضلاً عن أكثر، وغبي أيضاً من يسلك، مرة أخرى أو أكثر، طريقاً خاطئة سبق له أن سلكها.
نصحت الأم ابنها، الذي هو أنا: «اذهب بعيداً لكن تذكر طريق العودة... طريق العودة أصعب وأكثر مشقّة». 
الأمهات حكيمات بالفطرة، فاصغوا لما يقلن دائماً، لأن لحظة قاسية للندم ستأزف إن لم تفعلوا.
قالت الفتاة للفتى بعد أن أطالا المشي دون أن يبلغا نهاية: «هذه الطريق لن تؤدي إلى مكان». ردّ الفتى: «ولماذا علينا أن نبلغ المكان؟ أليست الطريق معك أكثر متعة من الوصول؟».
[email protected]

عن الكاتب

كاتب من البحرين من مواليد 1956 عمل في دائرة الثقافية بالشارقة، وهيئة البحرين للثقافة والتراث الوطني. وشغل منصب مدير تحرير عدد من الدوريات الثقافية بينها "الرافد" و"البحرين الثقافية". وأصدر عدة مؤلفات منها: "ترميم الذاكرة" و"خارج السرب" و"الكتابة بحبر أسود".

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"