العراق والتكيّف مع الفوضى

00:19 صباحا
قراءة 3 دقائق

حسام ميرو

لا يعد توصيف العراق دولة فاشلة مجرّد لفظ إنشائي، فمصطلح «الدولة الفاشلة» المتداول سياسياً منذ تسعينات القرن الماضي، امتلك مع الزمن معايير محددة، يمكن من خلالها مقاربة أوضاع الدول المنهارة، وأصبح هناك تصنيف سنوي، يشتمل على لائحة الدول الفاشلة في العالم، وهي اللائحة التي يقيم فيها العراق سنة بعد أخرى، كدليل على استمرار أوضاعه السياسية والأمنية والمعيشية على حالها، من دون حدوث أي تغييرات جذرية؛ بل على العكس من ذلك، يمضي الساسة العراقيون نحو ترسيخ مكانة العراق كدولة منهارة وفاشلة، لا تشفع لها مكانتها المهمّة بين الدول النفطية، ولا عائداتها المالية الضخمة جرّاء تصدير هذه المادة الحيوية لاقتصادات العالم.

 لم يتمكن العراقيون، بعد مضي ستة أشهر على إجراء الانتخابات النيابية، من انتخاب رئيس وزراء جديد، أو رئيس للدولة، وعوضاً من أن تكون هذه الانتخابات بوابة لإحداث تغيير ينتظره العراقيون، تحوّلت إلى سبب جديد من أسباب الانقسام الكثيرة، وعلى الرغم من أن فحص الطعون التي قدمها «الإطار التنسيقي» بنتائج الانتخابات، لم تظهر خللاً في فرز الأصوات، فإنه من الناحية العملية، يرفض التسليم بحق الفائز في تشكيل الحكومة، مستنداً إلى معادلات القوة الخارجية والداخلية، وإلى ما تمتلكه أحزاب «الإطار التنسيقي» من فصائل موازية للدولة، في الوقت الذي لا يحتكر فيه الجيش العراقي السلاح.

 بعد نحو ما يقرب من العقدين من سقوط نظام صدام حسين، تبدو ممكنات الاستقرار، في مختلف جوانبها، مفقودة بنيوياً؛ إذ لا يمكن إحداث استقرار في ظل تحوّل الدولة ومؤسساتها إلى مجرد هياكل، يستعملها السياسيون ومواليهم لتحقيق المكاسب والنفوذ والثروات؛ حيث أصبحت الدولة نفسها محل صراع بين القوى والتيارات السياسية والفصائلية، وهو أمر مفارق لدور الدولة الحديثة الأساسي، وهو أن تكون أقوى من الجميع، وعلى مسافة واحدة من القوى السياسية والاجتماعية، ومحمية دستورياً ومؤسساتياً من تغوّل القوى السياسية على مفاصلها ومقدراتها.

 في مسيرة العراق بعد عام 2003، تتحقّق الشروط الأربعة الكبرى للدولة الفاشلة، وهي فقدان الدولة السيطرة على أراضيها، أو جزءاً منها، وفقدانها احتكار استخدام الحق المشروع للقوة، وتآكل السلطة الشرعية، بما يجعلها عاجزة عن اتخاذ قرارات موحدة، وعدم القدرة على توفير الخدمات العامة، وعدم القدرة على التفاعل كعضو فاعل في المجتمع الدولي، وبالتالي، فإن العراق الذي نعرفه الآن، تكاد تختفي منه معالم حضور الدولة بوصفها كياناً سيادياً، ونقص السيادة في الحالة العراقية له سببان، خارجي وداخلي، يتبادلان إضعاف كيانية الدولة، ويمنعانها من تحقيق المستوى المطلوب لسيادة الدولة.

 ما كان يعتبره العراقيون مدخلاً لتحقيق الاستقرار والازدهار السياسي، أي الديمقراطية، أصبح مجرد صندوق اقتراع طائفي، ومدخلاً لتعميق الانقسامات الاجتماعية، ليس بين قوى سياسية تتصارع فيما بينها على برامج تنموية وخدمية، وإنما قوى ساعية إلى احتكار صوت الطائفة وتمثيلها سياسياً، وفق دستور تمّت صياغته بمنطق المحاصصة، وهو من الناحية الفعلية، كان وصفة مثالية لوأد الحياة السياسية الديمقراطية، التي تفسح في المجال لتقديم برامج محددة وقابلة للقياس، في مستويات الاقتصاد والخدمات والرعاية، تتطلّب على الدوام وجود كفاءات، لديها المؤهلات والخبرات والكفاءة لتحقيق برامج الأحزاب، لحظة وصولها السلطة، ويمكن في الوقت ذاته مساءلتها عن الفشل أو التقصير في تحقيق نتائج مرضية للفئات الاجتماعية المستهدفة.

 لقد فقدت المساءلة في العراق معناها ودورها؛ بل يمكن القول إنها الغائب الأكبر على مستوى الدولة، فالأحزاب الطائفية وقادتها مستمرون في استثمار مقومات الدولة المالية من أجل تغذية شبكات الولاء والمحسوبية، ما أوجد منظومة فساد، تشترك فيها معظم القوى السياسية، وانعدام أية إمكانية للمحاسبة، ومن نتائج هكذا منظومة، إعاقة نمو حراك مدني/ سياسي، قادر على إحداث تغيير، وبلورة قيادة فاعلة، فقد انتهت «ثورة تشرين» 2019 إلى نتائج ضعيفة، ولم تقدم أشكالاً منظمة، قادرة على الفعل والاستمرار، أو إحداث تغيير ملموس في الحياة السياسية.

العدو الأكبر للقوى السياسية الطائفية في العراق هو الدولة، فما يرغبون فيه من الدولة هو الحد الذي يشرعن مكانتهم، ويؤمّن لهم نفوذهم.

 في هذه الحال، فإن التكتيك الرئيسي هو التكيّف مع الفوضى، وضبطها، ومعايرتها، وإبقاء كل عواملها قائمة، والهدف واحد: منع إعادة بناء الدولة الحديثة.

[email protected]

عن الكاتب

إعلامي

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"