عادي

ترشيد الإنفاق.. مطلب شرعي في كل الظروف

22:52 مساء
قراءة 4 دقائق
1

القاهرة: بسيوني الحلواني

تعددت مناشدات علماء الإسلام في كل بلادنا العربية لضبط أو ترشيد الإنفاق لمواجهة تداعيات الأزمة الاقتصادية التي يعيشها العالم، فكيف ينظر الإسلام إلى السلوك الإنفاقي في حالتي الاستقرار الاقتصادي أو أوقات الأزمات؟ وهل ضبط الإنفاق أو ترشيد الاستهلاك أمر يخص محدودي الدخل وحدهم أم يشمل كل فرد من أفراد المجتمع؟ وكيف يسهم القادرون في تخفيف الأعباء المادية عن الفقراء خاصة في أوقات الحروب والأزمات الاقتصادية؟

تساؤلات مهمة وضعناها على مائدة عدد من العلماء وأساتذة الاقتصاد الإسلامي في محاولة لرسم صورة صحيحة للسلوك الاقتصادي للإنسان خاصة في ظل الأزمات.

1

يؤكد د.نصر فريد واصل، عضو هيئة كبار العلماء ومفتي مصر الأسبق، أن الإسلام ضبط السلوك الاقتصادي للإنسان سواء في حالة رغد العيش أو ضنكه، فكل إنسان مطالب شرعاً بأن ينفق باعتدال، وأن يكون إنفاقه في المباحات وليس المحرمات، سواء أكان هذا الإنسان ثرياً، أو كان من الذين يسعون إلى تحصيل احتياجاتهم بصعوبة. ويشدد على أن «الاعتدال المطلوب شرعاً يختلف من شخص لآخر وفقاً لظروفه المادية، فقد يكون بالنسبة لشخص أن يكون متوسط إنفاقه 20 دولاراً في اليوم ويكون لشخص آخر ألف دولار أو أكثر».

ويضيف: ترشيد السلوك الاقتصادي وفقاً لتعاليم شريعتنا الإسلامية يعني أن يكون الإنسان في إنفاقه وسطاً بين أمرين هما: الإسراف والتقتير، ولذلك ليس معنى الاعتدال أو ترشيد الإنفاق أن يحرم الإنسان نفسه أو من يعول مما أحله الله، فالإسلام يرفض هذا التقتير ويحذر منه، لأن أضراره كثيرة على الفرد والمجتمع مثل السفه الإنفاقي تماماً.

ويذكّر بأن الاعتدال في الإنفاق من صفات عباد الرحمن الملتزمين بتعاليم دينهم، والذين ينتظرون الجزاء الأوفى من خالقهم والتي سجلها الحق سبحانه في قوله تعالى: «والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً»، وقوله عز وجل: «ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسوراً» وقوله سبحانه: «وكلوا واشربوا ولا تسرفوا».

ويقول: هذه النصوص القرآنية تؤكد أن المطلوب من المسلم في إنفاقه على المباحات هو التوسط والاعتدال، فلا مجال لإسراف، كما لا مجال لتقتير، والتوسط والاعتدال يعني حماية نعم الله من كل سلوك سفهي، ويعنى المساهمة في تحقيق الاستقرار الاقتصادي للمجتمع.

أمراض

د. أيمن يسري، أستاذ أمراض الجهاز الهضمي والكبد بكلية الطب جامعة القاهرة، يؤكد أن ترشيد استهلاك الطعام معناه أن يتناول الإنسان ما يحتاج إليه جسمه فقط من سعرات حرارية، أي أن يظل بعيداً عن كثير من الأمراض الناتجة عن الإسراف في تناول الأطعمة، خاصة تلك التي تحتوي على دهون وعناصر غذائية ضارة بالجسم. ويقول: من هنا كان ترشيد استهلاك الطعام في مصلحة الإنسان أولاً، والمجتمع أيضاً، فلو رشد كل إنسان طعامه لتوافر للجميع من دون مغالاة.

ويضيف: تناول كمية الطعام التي يحتاج إليها الجسم فقط يوفر فرصة ذهبية لاستعادة حيوية الجسم، والتخلص من كثير من الأمراض والمشكلات الصحية، فالحقائق الطبية تؤكد أن كثرة الطعام وراء معظمها، لذلك ينبغي أن يكون للأطباء وخبراء التغذية في عالمنا العربي دور أكبر في مواجهة السفه الاستهلاكي للطعام.

أضرار

د. محمد السيد برس، أستاذ الاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر، يؤكد أن السفه الاستهلاكي يضر باقتصادات كل الدول غنيها وفقيرها. ويقول: كشفت الأزمات الاقتصادية والصحية التي مر بها العالم خلال السنوات الماضية وجود أزمة في الغذاء سببها أمور كثيرة من بينها السفه الاستهلاكي الذي تعوّد عليه مواطنو تلك الدول، ففي أزمة «كورونا» لم يجد الأمريكي والأوروبي كل ما تعود على استهلاكه في متاجر بيع الطعام، مما خلق أزمة غذائية.

ويضيف: لذلك انطلقت دعوات ترشيد استهلاك الغذاء من أكثر دول العالم رفاهية وقدرة مادية، وهو لا يعني حرمان الإنسان من احتياجاته الأساسية، لكن أن يتناول الإنسان ما يحتاج إليه جسده فقط، كما يعني عدم إهدار الطعام عن طريق طبخ كميات كبيرة منه ثم يلقى معظمها في صناديق المخلفات، وهذا سلوك سيحاسبنا الله عليه لأن فيه إهداراً لنعم لا يجدها كثير من الناس.

ويؤكد أن السفه الاستهلاكي كما أن له تداعياته الصحية، له آثاره الاقتصادية والاجتماعية والنفسية، وهو ما كشفته أزمة «كورونا»، فالأسر التي تعودت على نمط معين من الاستهلاك عانت كثيراً على المستويين النفسي والاجتماعي.

ويدعو د. برس إلى ضرورة أن نتخذ من أزمة الغذاء العالمية الآن فرصة لترشيد السلوك الاستهلاكي للمواطن العربي عموماً، وتصحيح سلوكياتنا الخاطئة التي تؤدي إلى إهدار نعم الله، كما تلحق بنا الأذى النفسي والبدني عند عدم توفر ما تعودنا على استهلاكه.

التباهي

يعود د. نصر فريد واصل ليؤكد أن التباهي بكثرة الطعام من السلوكيات الخاطئة التي يقع فيها البعض بحسن نية. ويقول: الكرم والسخاء في الإطعام من الصفات الطيبة التي ينبغي أن نحث عليها الناس في كل الظروف والأحوال، لكن لا ينبغي أن نخلط بين هذا السلوك الذي يحث عليه الشرع وما يفعله البعض من التباهي بموائد الطعام التي يسيطر عليها السفه ووضع صور على مواقع التواصل الاجتماعي، فالإنسان الكريم والسخي حقاً لا يتفاخر بعطائه للآخرين.

وينتهي إلى تأكيد أن الإسراف مذموم في كل الأحوال فخير الأمور الوسط و«حب التباهي شطط».. ويقول: بدلاً من الإسراف الذي يضر ولا يفيد أحداً كما قرر الأطباء، علينا أن نكثر من الصدقات التطوعية، خاصة على الأسر الفقيرة التي تتعفف عن سؤال الناس، وهي موجودة في كل مجتمع، ولو عجز الإنسان عن الوصول إليها فعليه أن يقدم صدقاته للجمعيات الخيرية التي تعرف هذه الأسر. وهنا لا ينبغي التباهي بالصدقات ومراءاة الناس، لأن هذا السلوك يحبط العمل ولا يقبل الله تعالى هذه الصدقة.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"