عادي

المهيمن جلَّ جلاله

23:01 مساء
قراءة دقيقتين
رغيد
رغيد جطل

رغيد جطل
الاضطراب والخوف يلازمان الإنسان في مسيرة حياته؛ إذ إنه يخشى من فقد عزيز أو نقص مال أو ضياع مصلحة؛ لذا تجد أحدنا كثير التفكير في أحوال الدنيا، وربما ننسى أن المهيمن على مقاليد السماوات والأرض هو الله، سبحانه وتعالى، والذي أمره بين الكاف والنون، وإن أراد شيئاً كان كما أراد حتى لو كانت تلك الكينونة مستحيلة في قاموس العقل البشري.
ولكي ندرك حقيقة ذلك المعنى بشكل أوسع، سنعيش مع اسم من أسماء ربنا جلَّ وعلا؛ وهو اسم الله المهيمن.
ذكر العلماء للمهيمن معاني عدة، منها أنه الرقيب والحافظ لكلّ شيء، فهو الذي قد خضع لسلطانه كلّ شيء يعلمه الإنسان ولا يعلمه، وهو أيضاً القائم والشهيد على ما خلق، وورد اسم الله المهيمن في القرآن في قوله تعالى «هُوَ اللهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ»، الحشر:23. ومعنى هذا أن ما من شيء في هذا الكون يتحرك إلا بإرادته، وأنه إذا أراد شيئاً أنفذه في ملكه حتى لو أنكر أهل الأرض قاطبة حدوثه، فلو تأملنا في دعاء نبي الله زكريا، عليه السلام، لله، جلَّ وعلا، وهو يرجوه الولد، لوجدنا أن زكريا، عليه السلام، ذكر أنه لا يملك أياً من مقومات الحصول على ولد فقد كبُرت سنه، وشاب شعره، ووهَن عظمه، ومع ذلك يدرك أنه حينما يدعو فإنه يدعو المهيمن على هذا الكون من بيده كل شيء ولا يخرج شيء عن إرادته «قالَ رَبِّ إنِّي وهَنَ العَظْمُ مِنِّي واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا ولَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا وإنِّي خِفْتُ المَوالِيَ مِن ورائِيَ وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا»، مريم 4 ـ 5. وقد جاءته البشرى لحسن ظنه بالله المهيمن جلَّ وعلا «يا زَكَرِيّا إِنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسمُهُ يَحيى لَم نَجعَل لَهُ مِن قَبلُ سَمِيًّا»، مريم: 7. وكذا الحال مع نبي الله أيوب، عليه السلام، فبعد أن اشتدت عليه الكروب، وضاقت أمامه السبل حتى اضطرت زوجته إلى بيع ضفيرة من شعرها لجأ إلى المهيمن المتحكم بهذا الكون ليغير حاله ويصلح أحواله «وأيّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِي الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ»، الأنبياء 83ـ84.
وهيمنته سبحانه على هذا الكون هيمنة رحمة فقد يعطي عباداً، وقد يحرم آخرين، لأن من العباد من لا يصلح حاله إلا الفقر ومنهم من لا يصلح حاله إلا الغنى، وهو الأعلم بأحوال هؤلاء جميعاً، كما أن هيمنته، تعالى، نابعة من علمه بأحوال الشيء، وقدرته الكاملة التامّة على تحصيل مصالح هذا الشيء، والاستمرار في تحصيل مصالح الشيء من دون انقطاع؛ لذا فإن العبد المؤمن أمام المهيمن، جلَّ وعلا، عليه أن يسلم تسليماً مطلقاً؛ فهو يفوض أمره لمن هو أدرى بحاله ومآله.
[email protected]

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"