عصر اللايقين

00:16 صباحا
قراءة دقيقتين

يبدو أن البشر يعيشون مرحلة من اللايقين، الذي تتبدى سماته في الكثير من المظاهر، فنحن مثلاً نشهد منذ أكثر من عقد، فترة اضطرابات في أكثر من مكان، ولم نكَد نشعر بالأمل ونحن نودّع جائحة كورونا حتى نشأ فيروس جديد، جدري القردة، وهناك أحاديث عن مجاعة تلوح في الأفق نتجت عن حرب مساراتها غامضة إلى درجة كبيرة. أما قضايا المناخ فلا نتائج تؤكد أن البشر في طريقهم إلى اتخاذ خطوات إيجابية تُبعدهم عن شبح كارثة ارتفاع درجات الحرارة.
في كل هذه القضايا وغيرها لا يوجد من يرسم لك  بثقة  بعض ملامح المستقبل، حتى في «كورونا» لا توجد تأكيدات بانتهاء الجائحة، ولا من يتحدّث عن الفيروس بصورة شاملة: الخسائر والدروس المستفادة، وإلى أي مدى يمكن أن يتكرر في الغد؟ وهل سنواجه أي جائحة مقبلة بالإجراءات وردود الفعل نفسها؟ أما مسألة المجاعة فتخضع للاستقطاب.. للتوجه والاختيار السياسي. فموقفك مع أو ضد أحد الفريقين المتحاربين، يؤثر بقوة في رؤيتك للمجاعة.
ولكن بعيداً عن السياسة، ونحن في القرن الحادي والعشرين، وبعد كل هذا التطور في وسائل الزراعة والهندسة الوراثية، يصبح السؤال الموضوعي الذي يحمل قدراً من السخرية المريرة: لماذا لا تزال الكثير من الدول رهينة في غذائها الأساسي لدول أخرى؟ هل السؤال يتعلق بالتنمية والعلوم والإرادة السياسية لتلك البلدان التي تعاني بسبب الحرب؟ وتنبع سخريته من أن السؤال نفسه يتكرر في تلك البلدان منذ عقود طويلة، مع كل حدث مفصلي يلامس أمنها الغذائي.
خذ أي قضية حيوية أخرى تواجه البشر، فلن تعثر على سيناريو واضح المعالم يحدّد سماتها ومستقبلها؛ الأمر الذي يدفعنا لمحاولة أن نحدد بعض أسباب هذا اللايقين، هل نتج عن غياب الأفكار الكبرى وسقوط الإيديولوجيات منذ عقود قليلة؟ وهل يعود السبب إلى عدم وجود مرجعيات في مختلف أوجه النشاط البشري؟ هل نتج اللايقين عن صعود التكنولوجيا وثرثرة مواقع التواصل، وما صاحب ذلك من شعورنا بالسطحية والعجز عن تكوين رأي موزون؟ يحتاج اليقين إلى وقت وتمهّل ولا يمكن له أن يتجذر في العقول في عصر يتسم بالتغير اللحظي، يحتاج اليقين أيضاً إلى أن يختبر البشر صدق وعود الليبرالية الجديدة التي بشّرت بآمال عريضة. 
ولكن إذا كانت فكرة اليقين عرضة للغياب في مختلف أوجه النشاط المختلفة، فإننا كنا نأمل دوماً الأمان في العلم، فمقدماته السليمة تؤدي إلى نتائج منطقية واضحة، ولكن لماذا لا نشعر أيضاً بأن العلم الآن، لا يمنحنا راحة اليقين؟ ربما يعود ذلك إلى المستقبل الغامض الذي يبشرنا به العلم، فنحن كما يتحدّث معظم العلماء، على أعتاب مرحلة ستشهد تحولات دراماتيكية في طبيعة الإنسان، وبدأنا نقرأ عن ذلك الكائن الهجين بين البشر والآلة؛ الأمر الذي يثير القلق والتوتر والخوف. 
أسباب عدة وراء غياب اليقين، ولكن المهم هو الأجيال المقبلة، فتوازن الإنسان النفسي والروحي لا يكتمل إلا باليقين.

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"