إدارة الشهامة العربية

00:21 صباحا
قراءة 3 دقائق

عبدالله السويجي

أينما وُجدت التجمعات البشرية وُجدت الخلافات، فالتباين في الرأي والذوق والسلوك والأهداف والطبائع يؤدي إلى الاختلاف ثم إلى الخلاف. وقد تجنّبنا هنا استخدام مفردة صراع، سيّما وأننا سنتناول إدارة الخلافات العربية، لأن كلمة صراع تحمل من القسوة ما يؤدي في المعنى والمبنى إلى العداء، وهو الأمر الذي لا يوجد في العلاقات العربية العربية، إنما يوجد خلافات أساسها الاختلافات.

من المؤكد أن تناول موضوع كهذا لا يستوعبه مقال صغير في جريدة، والبعض يعتبره بسيطاً في طرحه وتناوله لأنه يستند إلى النوايا الصافية والمصالح المشتركة الواضحة، لكنه في الواقع ليس كذلك، ولو كان بسيطاً لتوصّل العرب منذ سنوات طويلة، منذ نصف قرن على سبيل المثال، إلى نوع من التنسيق أو الوحدة والعمل المشترك، وهو ما لم يحدث في العمق، وإن تمظهر في مجموعة من الأنشطة، كما أن وجود سفارات وقنصليات عربية في كل دولة عربية لا يعني تنسيقاً سياسياً أو عملاً مشتركاً، فالدبلوماسية شيء، والعمل الحقيقي الذي يؤتي ثماره على أرض الواقع، ويُترجم في الخرائط والتضاريس شيء آخر. 

ومن هذا المنطق البسيط يمكننا طرح سؤال، أو إعادة طرح سؤال، أو إحياء سؤال، عن العمل العربي المشترك المحكوم بالاستراتيجيات وتسيّره البرامج وتغذيه الخطط والرؤى والأهداف. أين العمل المشترك في مجال التكامل الاقتصادي أو الأمن الغذائي، وقد هزّت الاقتصاد العربي بشكل عام أزمة صغيرة كأزمة أوكرانيا، بمعنى أنه لم تنشب حرب عالمية كبرى كي ترتفع أسعار المواد الغذائية، أو تعاني الدول نقصاً في إمدادات القمح والذرة والطحين والزيوت، بينما هنالك أرض عربية مصنّفة بأنها الأكثر خصوبة في العالم؟ 

أين العمل المشترك في محاربة الإرهاب والتطرّف والجهل، وجميعها تهدّد أجيالاً بأكملها وتقودها إلى اعتناق مبادئ وأفكار ليس لها صلة بالتسامح والتعايش المشترك والتفاعل الثقافي والاجتماعي. إن أكثر ما يمكن السؤال عنه هو: أين العمل المشترك في المجال التعليمي وتطوير المناهج، ولدينا لجان مشتركة مكونة من وزراء ووكلاء وزارات مهمتها النهوض في المحتوى والمنهج وأساليب التعليم؟ بالكاد نسمع عنها الآن. والتساؤل الآخر أين العمل المشترك في شأن الأمن، مع وجود اتفاقيات للدفاع موجودة في أدراج جامعة الدول العربية.

إن عدم تحقيق تقدّم في أي مجال من المجالات المذكورة وغير المذكورة يشير إلى وجود أكثر من مجرد خلافات، وقد تصل إلى الصراعات، ومع البحث عن هذه الخلافات سنجد أنها غير معلنة، أي خلافات مسكوت عنها، أي هناك تجاهل لها، والتجاهل من أسوأ أنواع إدارة الصراع أو الخلاف بين المكوّنات، ولا يؤدي إلى حل أو تقارب أو أي نوع من العمل المشترك، ومع مرور الزمن يزيد الشرخ ويتعمّق الجفاء، ويتحوّل الأمر إلى أمر طبيعي، والدليل أنه لم يعد هناك حديث عن الوحدة العربية أو التقارب العربي أو التنسيق العربي أو أي عمل مشترك، في الوقت الذي يحتاج فيه العرب إلى أدنى أنماط التعاون والتآزر في جميع الميادين. وطبيعة الجغرافيا واللغة والثقافة تجعل المصير مشتركاً، ويتحول العمل والتعاون إلى ضرورة وليس خياراً، بغض النظر عن الاختلاف في السياسات والاستراتيجيات، ولا نريد تكرار الشعارات القديمة، إنما تحديثها بما يتناسب مع الواقع والعصر والتحالفات الكبرى.

هنالك صراعات بين كثير من الدول العربية وغير العربية، وتُترك هذه الدول لمصيرها وقدرها وهي تتصدى للآخر، الذي لن يكون في وقت قادم، صراعاً ثنائياً، بل سيطول المنطقة بأكملها، كالصراع على المياه والحدود والثروات الطبيعية.

لن ننادي بالوحدة العربية إنما بالشهامة العربية، وهو تعبير ليس عاطفياً إنما له جذور في السياسة والثقافة والحياة.. والحديث ذو شجون..

[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"