منظمة الأمم المنقسمة

00:19 صباحا
قراءة دقيقتين

في كلمته الافتتاحية أمام اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، حذر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس من انقسامات تشل العالم. وفي الواقع فإن العالم اليوم أبعد ما يكون عن الشلل. هناك نشاط في كل مكان لكنه نشاط عسكري أو مرتبط بأنشطة عسكرية وهي أنشطة أبعد ما تكون عن الشلل وعدم الفاعلية.
 غير أن غوتيريس لم يكن يعني هذه الأنشطة بالتحديد، بل كان يشير إلى الشلل في ما يتعلق بالتعاون الدولي لمواجهة أخطار التغير المناخي وتفشي الأوبئة الفتاكة وأزمات الغذاء التي باتت تحيط بالعالم إحاطة السوار بالمعصم، بينما ينخرط قادة العالم في حروبهم الدامية التي تعمّق الخلافات والانقسامات وتجعل التعاون الدولي أملاً بعيد المنال.
 العالم اليوم منقسم، لكنه ليس مصاباً بالشلل بل هو منشغل بكامل قواه في حرب تدميرية تكاد تكون شاملة رغم أنها تنحصر اليوم في رقعة جغرافية محدودة. هناك أيضاً أزمات سياسية تستقطب أنواعاً مختلفة من النشاط وتكرس انقسام الدول والمجتمعات المحلية والإقليمية.
 وظهر هذا الانقسام جلياً في قاعة الأمم المتحدة، حيث اجتمع قادة العالم جنباً إلى جنب، فقط لينقلوا إلى الشعوب حجم الخلافات التي تعصف بالمجتمع الدولي وقادته الكبار، داخل هذه الهيئة التي قامت بعد نهاية الحرب العالمية الثانية بهدف تجنيب البشرية ويلات الحروب وتعزيز قيم السلام ومبادئ التضامن والتعاون.
 وفي هذه القاعة الصغيرة للأمم المتحدة حيث اجتمع قادة العالم في لقاءاتهم السنوية لمناقشة المشكلات وسبل معالجتها، كشفت خطابات الزعماء عن حجم الانقسامات التي تعصف بالعالم في هذه المرحلة من تاريخه وتاريخ المنظمة العالمية نفسها. وتحدث غوتيريس عن خلل هائل يعيق التصدي للأخطار التي تواجه البشرية، وقال إن «أزمة القدرة الشرائية تتفاقم، الثقة تتلاشى، التفاوتات تتزايد وكوكبنا يحترق». ومن بين المخاطر التي يحذر منها غوتيريس الحرب الأوكرانية.
 وفي سياق حملة الاستقطاب والاستقطاب المضاد وبناء المعسكرات المؤيدة والمناوئة تم طرح قضية إصلاح الأمم المتحدة من منظور مرتبط بمسارات الحرب الجارية، يختلف عما كان يتم تداوله في الدورات السابقة، فالولايات المتحدة مثلاً تعتبر أن حرمان روسيا من ممارسة حق «الفيتو» من الإصلاحات الجوهرية لمجلس الأمن، وهو طرح جديد كلياً، بينما كانت طروحات الإصلاح تطالب بزيادة عدد الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن لتحقيق العدالة والإنصاف، بدلاً من أن تكون عضوية المجلس الذي يتحكم في مصائر العالم حكراً على الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية، ما يجعل هذه السلطة تبدو كأنها جزء من غنائم الحرب.
 القارة الإفريقية أيضاً حملت همومها إلى الاجتماع المشغول بتعزيز المعسكرات المتقاتلة. ويشعر قادة إفريقيا بالغضب من الدول الصناعية الكبرى خصوصاً في مجال مكافحة التغير المناخي. فالدول الفقيرة، التي تتحمل قدراً أقل من المسؤولية عن الاحتباس الحراري، تعتبر من أكبر ضحاياه، وهي تكافح كي تفي الدول الغنية بوعودها بتقديم مساعدات مالية. ولكن لا أحد يصغي لمثل هذه الهموم البعيدة وسط طبول الحرب وقعقعة السلاح.

[email protected]

https://tinyurl.com/ccuchhxe

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"