هنا لندن

00:03 صباحا
قراءة دقيقتين

جزء من تاريخ إذاعة (بي بي سي) يرتبط نفسياً وصوتياً إن أمكن القول بالذين كانت أعمارهم بين الخامسة والعاشرة في أوائل ستينات القرن العشرين، ولم يكن ذلك الجيل يعرف تلك الإذاعة على أنها (بي بي سي)؛ بل إذاعة لندن.. وكانت إشارتها على رأس كل ساعة
 (بيج بن)، ثم يأتي صوت المذيع: «هنا لندن»، وأذكر كانت تتبع تلك العبارة برهة من الصمت يشي بأن الإذاعة تبث من مكان بعيد، ثم بالنسبة لنا نحن القرويين المزارعين والفلّاحين ما هي هذه لندن؟؟.. التي تأتي منها أصوات رجال ونساء ينقلون لنا أخبار الحرب والعالم والأدب.
في أوائل ستينات القرن العشرين اشترى جدّي راديو يشبه الصندوق له أزرار بلون العاج، وكان جدّي يتنقل بين الإذاعات عبر تلك الإبرة السحرية التي كانت تتحرك مع حركة بكرة صغيرة أشبه بالعجلة يديرها جدي نحو لندن، أما في الإذاعات الأخرى فكنا نسمع أغاني فهد بلّان، وسميرة توفيق وصباح، وحين كانت النسوة يسمعن صوت المذيع يسارعن إلى تغطية وجوههن بطرحات رؤوسهن، خوفاً من أن يخرج الرجل من صندوق الراديو وهن مكشوفات الوجوه، وربما، حاسرات الرأس.
صنعت جدّتي طرحة بيضاء أشبه بالمنديل من قماش قطني جميل وغطّت به وجه صندوق الراديو حفاظاً عليه من الغبار، وربما، خوفاً من أن يخرج المذيع من الصندوق.
كان ولعي الطفولي آنذاك وأنا في نحو السادسة وربما الخامسة أو السابعة من العمر صوت المذيع القادم من آخر الدنيا «هنا لندن»، وكنت أقلّد المذيع، وفي وقت مبكر تعلمت اللغة العربية الفصحى من لندن وليس من المدرسة.
حين كبرت على ذلك الزمن الطفولي قليلاً وربما كثيراً، كنت أحب أن أسمع نشرة الأخبار بصوت مذيع اسمه: محمد الأزرق، وأحببت مثل أبناء جيلي مذيعي ال«بي بي سي» قبل أن نعرف أنها إذاعة بريطانيا الإمبراطورية العظمى التي لا تغيب عنها الشمس.
في الإذاعة المدرسية حين طابور الصباح كان الكثير من الطلبة يقلّدون إلقاء «مذيعي لندن».. «هنا لندن» وهنا صوت الصباح المدرسي.
بقيت علاقة جدّي متصلة بشراء المزيد من الراديوات إلى أن اشترى ذات يوم راديو صغيراً، كان يحمله بين يديه، وقد ابتعد قليلاً عن جدّتي وعمّاتي، وكان يبكي... يقول المذيع جمال عبدالناصر قد مات.
ماتت الكثير من إذاعات العالم. مات تاريخ الصوت محمولاً على الموجات الطويلة والمتوسطة والقصيرة، وماتت الملكة إليزابيث، ومات عبدالناصر وجدّي بكى…
[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"