الكتابة على مواقع التواصل الاجتماعي، أو لنقل، الكتابة الرقمية، أو الكتابة الافتراضية، أو كتابة المنصّات الإلكترونية، سمّها ما شئت.. تعددت الأشكال والمضمون واحد. هذه واحدة من العناوين الثقافية التي تنشغل بها الدورة 41 من معرض الشارقة الدولي للكتاب ضمن ورشة عمل يشارك فيها عشرة من العارفين أو الممارسين لهذا النوع من هذه الكتابة الإشكالية في حقيقة الأمر، والمشاركون التقوا من سبعة بلدان (30 ورشة عمل)، وهو عنوان ثقافي جديد في إطار فعاليات المعرض.
وكما نعلم منذ سنوات، فإن معرض الشارقة الدولي للكتاب تجاوز إطار عرض الكتاب ومساحات الأجنحة، إلى معرض فعاليات ثقافية تغطّي قضايا راهنة وحيوية في الأدب والنشر والكتابة. في هذه القضايا الجديدة التي يتبنّاها المعرض، ومنها الكتابة على مواقع التواصل الاجتماعي، نجد أنفسنا أمام سؤال عملي مباشر: هل الكتابة على هذه المواقع هي فعلاً كتابة؟ هل هي فعلاً كتابة أدبية.. ثقافية فكرية؟ وإذا كانت «كتابة»، فما المانع من أن يكون مكانها الطبيعي هو القلم والورقة؟
لماذا مواقع التواصل الاجتماعي؟ هل لأنها الأسرع؟ ثم بناء عليه.. متى كان الأدب، أو متى كانت الكتابة في حدّ ذاتها مطلباً سريعاً؟.
أسئلة عديدة يمكن أن تُطرح مبدئياً قبل طاولة الورشة؟ هذا أولاً، وثانياً لا مانع مطلقاً من التجريب في مواقع أو منصات الكتابة الرقمية إذا كانت مثل هذه الكتابة تُحدث تجاوبات وتفاعلات حوارية بين مجموعة أصدقاء هذه المنصات أو هذه المواقع، فالكتابة في النهاية هي تواصل وهي حوار قلوب وأرواح وعقول.
لا أحد يقول أو يستطيع القول إنه ضد ظاهرة الكتابة التواصلية الاجتماعية، أو الكتابة الرقمية، غير أن القول الذي يفرض نفسه إنما يكمن في التوصيف الحقيقي للكتابة، فكل كتابة هي فعل يدوي قبل وبعد أي شيء. وكل مظهر رقمي أو «منصاتي» أو «كمبيوتري» هو ليس كتابة، وإنما هو طباعة. مرة ثانية، وثالثة، ورابعة.. ثمة فرق هائل بين الكتابة وبين الطباعة. ثمة فرق هائل بين نتاج اليد البشرية صانعة الخط والمخطوط بالقلم والورق والحبر، وبين سطح الطباعة الآلي التي تُنتجها أزرار الكمبيوتر.
إن الفضاء النفسي والثقافي ل«كاتب» المنصّات هو ما يسمّى «الكي بورد»، وهو فضاء مادي «معدني» توجده آلة طباعية حيادية تماماً، مختلفة كلياً عن الفضاء النفسي للكاتب الحقيقي الأول، الكاتب غير الافتراضي، الكاتب غير الآلي المحكوم إلى الأزرار؛ بل المحكوم إلى سطح كمبيوتري، وليس محكوماً إلى سطح ورقة أو رقعة أو مخطوطة.
المسألة عاطفية بامتياز، ولا أكثر من ذلك، إنها مسألة تربية وذاكرة وحنين. شبكة من العواطف البشرية تتصل بالأصل التقليدي الكلاسيكي للكتابة. وليس لهذه المسألة أي أبعاد عدائية أو عدوانية تجاه الكمبيوتر.. القاعدة الأساسية الكبرى لمنصّات التواصل الاجتماعي.
بكلمة صغيرة.. الكتابة هي تاريخ الإنسان على الورق، والحبر شكل من أشكال دم الكائن البشري الذي لا يمكن مطلقاً أن يجري في عروق الكمبيوتر.
[email protected]