في ذكرى استشهاد سيف غباش

00:30 صباحا
قراءة دقيقتين

د. يوسف الحسن

في مثل هذا اليوم، قبل خمس وأربعين عاماً، كانت اللجنة العامة للحوار العربي الأوروبي، تجتمع في لوكسمبورغ، وكان أبو عدنان متحمساً لهذا الحوار، وقد ترأس إحدى دوراته التي عقدت في أبو ظبي عام 1975.

كنت أستعد لإلقاء كلمة الإمارات في هذا الاجتماع، وهي كلمة قرأتها على مسامع أبو عدنان بالهاتف، قبل أيام من بدء الاجتماعات. فوجئت بعضو في الوفد البريطاني يهمس في أذني قائلاً، إن لديه خبراً سيئاً، مفاده أن الوزير سيف غباش قد اغتيل للتو في مطار أبوظبي، وأن رصاصات القاتل كانت تستهدف عبد الحليم خدام وزير خارجية سوريا آنذاك، الذي كان أبو عدنان يرافقه مودعاً في المطار.

كان للخبر وقع الصاعقة. توقفت الاجتماعات للحظات، تخللتها كلمات مؤثرة عن الشهيد، قدمها عدد من الدبلوماسيين المشاركين في المؤتمر، ممن يعرفون الفقيد.. غادر وفد الإمارات القاعة، استعدادًا للعودة العاجلة إلى الوطن.. كان يوماً قاسياً وحزيناً وله طعم الرماد.

ها هو الفارس الذي طاف العالم، وعاد إلى وطنه ليخدمه في مرحلة حرجة من التأسيس، تأتي رصاصات غادرة وعبثية، لتضع نهاية لحلم هذا الإنسان الطيب والعصامي والوطني بامتياز، والمثقف الموسوعي والكفء.

عرفته عن قرب، صاحب مسيرة شاقة في طلب العلم والثقافة وتحدي الفاقة، في الكويت والبحرين والعراق والنمسا وألمانيا وفرنسا وروسيا.

عاد إلى رأس الخيمة في نهاية الستينات، بعد عقدين من التجوال والخبرات، وعمل في بلديتها. وحينما قام الاتحاد شعر أن ثقافته واهتماماته الفكرية والوطنية أكبر من وظيفة فنية في بلدية، ورحب به مؤسس الدبلوماسية ومعلمها أحمد خليفة السويدي، وهو يبحث في بناء أول نواة لكادر دبلوماسي كفء لقيادة مرحلة حساسة في منظومة العمل الخارجي، وبناء علاقات دولية مرنة وذكية ومتوازنة ومتزنة لهذه الدولة الناشئة. وتم تعيين سيف بن غباش وكيلاً لوزارة الخارجية نحو عامين، ثم أصبح وزير دولة للشؤون الخارجية حتى لحظة استشهاده.

تمتع أبو عدنان بأخلاق عالية وملك بسطة واسعة وعميقة من العلم والثقافة الإنسانية، وكان على درجة عالية من الذكاء والتواضع وبساطة العيش.

أما القاتل المأجور، فكان مجرد بندقية للإيجار، وانتهى زعيم مجموعة هذا القاتل بالقتل من قبل النظام العراقي في ذلك الوقت، بعد أن استخدم طويلاً في الصراع الحزبي بين بغداد ودمشق.

وقد تم القصاص من المجرم في أبوظبي، بعد محاكمته، وتم إعدامه رمياً بالرصاص، وكان هذا القاتل قد لاحق عبد الحليم خدام أثناء زيارته إلى قطر، ولم يظفر به، فلحق به إلى الإمارات عن طريق البر، وانتظره في المطار القديم، إلا أن الرصاصات الغادرة أصابت أبو عدنان.

استشهد سيف بن غباش، في أزمنة لوثة الجنون التي أصابت نظماً وأحزاباً عربية.. لكن هل توقفت هذه اللوثة بعد ذلك؟ لا.. لم تتوقف..

بعد سبع سنوات، وفي الثامن من فبراير (شباط)، في العام 1984، قدمت الدبلوماسية الإماراتية شهيداً ثانياً، حينما اغتالت يد الغدر السفير في باريس، الشهيد خليفة أحمد عبد العزيز المبارك.

.. رحم الله سيف وخليفة.

[email protected]

https://tinyurl.com/22upx8nf

عن الكاتب

إعلامي

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"