المكان: كنز ولغة ومعرفة..

00:03 صباحا
قراءة دقيقتين

اقرأ إبراهيم مبارك بشغف حين يكتب عن الأمكنة، والصحراء، والواحات، والأشجار، وأزهار الرمل والصحراء، وحكايات البحر والجبال في الإمارات. حينها أنت تقرأ عن مكان تعرفه. رأيته. ومررت منه وبه إمّا راجلاً أو راكباً، وفي كل الأحوال فأنت رأيت المكان، وعاينت جغرافيته وتفاصيله، وها أنت تقرأه...
قبل أيام كتب إبراهيم مبارك عن تل رملي مرتفع يُسَمّى: «جرن الثعلب»، ويقول إن كلمة «جرن» هي وصف لكل تل مرتفع، وقد تقلب الجيم إلى قاف، فيقال «قرن»، وما فهمته من هذه المقالة أن الأمكنة تعطي صفاتها للبشر، والبشر يستعيرون الصفات عادة من الحيوان والطير، فيقال «قرن الماعز»، أو «قرن الغزال».
مثل هذه الكتابة. كتابة المكان على نحو ملموم ومحدّد وبالغ الوصف والتعريف هي كتابة فطرية بالدرجة الأولى..
وفي الإمارات هي كتابة نادرة أو قليلة بخاصة في العمود اليومي أو الأسبوعي، وأحسب أن مثل هذه الأدبية عن الأمكنة في مادة أسبوعية منتظمة هي إضاءة أمينة بل ونبيلة على المكان الذي يعطي ذاته الجمالية لوطن الكاتب، وما الوطن في النهاية إلاّ مجموعة قرى ومجموعة أرياف ومجموعة مدن وقد وُلِدَ الإنسان في هذه المجموعات المكانية، كما ولدت معه لغته.
من جبال شعم إلى جبال خورفكان، والفضاءات المكانية الطبيعية في الفجيرة إلى مرتفعات حتّا، ثم إلى الفضاءات المكانية المفتوحة، والفطرية والبكر في أم القيوين وعجمان، ثم الفضاءات البحرية أو الشواطئية في كل إمارات الدولة، ثم انتهاء بجبل حفيت.
والأفق الجمالي البصري، في مدينة العين، وباختصار: من مشهديات البحر إلى مشهديات البرّ إلى مشهديات الجبال في الإمارات ينطوي المكان بأسمائه الثلاثة على كنز بل كنوز من الصور، والتشكيلات، والإيقاعات البصرية واللونية، والضوئية، والظلالية الغزيرة بكل معنى الغزارة.
هذا في حدّ ذاته منجم كتابة، وقد عرف إبراهيم مبارك قيمة هذا المنجم فذهب إليه و«غرف» منه، وهو يغرف أسبوعياً في كتابته المنتظمة
في سنوات ماضية تعلّق الكتاب العرب بكتاب «جماليات المكان» لغاستون باشلار فوراً منذ أن نقله غالب هلسا إلى العربية في ثمانينات القرن العشرين، كما تعلّقوا بكتابات عبدالكبير الخطيبي عن الأمكنة وعن الأثر وغيره من «حفّاري» الجماليات، وفي السياق، تأتي الكتابة المكانية الإماراتية على هذا النحو الجميل والأصيل.
[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"