التقدّم والالتزام بالمبادئ

00:45 صباحا
قراءة 3 دقائق

حسام ميرو

عادة ما يتم التركيز على الجانب الإيجابي من التطورات التكنولوجية، من دون النظر إلى الجوانب السلبية، خصوصاً عندما يكون تقييم المخاطر ضمن مدى زمني واسع. وهذا التركيز مدفوع بعوامل عديدة، منها تأكيد تفوّق الإنسان، وقدرته على الإنجاز العلمي، والتوسع في استغلال الطبيعة لمصلحة المجتمعات، وتلبية احتياجاتها، وزيادة الرفاه العام، كما لا يمكن إغفال الطابع الرأسمالي في زيادة أرباح الشركات والدول. وهذا التركيز على الجانب الإيجابي ينبغي ألا يفهم باعتباره شراً؛ بل هو في سياقه التاريخي نتيجة لتفاعل عوامل عديدة، وهو بالفعل شكل من أشكال التقدم، لكن ككل حركة تاريخية تحمل في داخلها مجموعة من التناقضات، وغالباً تكون قوة التناقضات من الخطورة بما يهدّد كل الحركة التاريخية.

أكدت الأمم المتحدة على لسان أمينها العام أنطونيو غوتيريس في سبتمبر/أيلول الماضي، أن العالم يعيش في «حالة طوارئ مناخية»، وقد استبق الأمين العام بتحذيره هذا، قمة المناخ التي عقدت في شرم الشيخ في مصر، واختتمت أعمالها في 18 من الشهر الجاري، في محاولة منه لتأكيد خطورة وجدية ظاهرة الاحتباس الحراري، وضرورة التعاون الدولي لمواجهتها تشريعياً ومالياً وتكنولوجياً، حيث أصبح واضحاً أن العالم يمضي باتجاه كوارث كبرى نتيجة لتعثر التعاون الدولي في حل هذه المشكلة التي تطال العالم بأكمله.

منذ عام 1992، وقضية المناخ، وارتفاع درجات الحرارة، وتأثيرها في الأمن المائي والزراعي والصحي، موجودة على طاولة التداول الأممي، لكن من الناحية العملية، فإن التقدم في حل هذه القضية يكاد لا يذكر. فالسياسات العالمية التي تنتهجها الدول الصناعية الكبرى، تصب من حيث النتيجة في كفة مفاقمة الأزمة، وليس في كفة حلها، مع أن جميع الدراسات البيئية التي تشرف عليها مراكز كبرى، معظمها موجودة في الدول الصناعية التي تحتل صدارة الصناعة في العالم. ومع ذلك فقد تم إهمال تلك الدراسات، وما تفصح عنه بالأرقام والدلائل حول التأثيرات الكارثية للصناعات على البيئة، خصوصاً في ظل الاستهلاك المتزايد للطاقة غير النظيفة.

في صلب هذا الاتجاه الذي يتجاهل حالات النمو غير المتوازن، بين ضرورات الحياة الإنسانية، وتلبية احتياجات المجتمعات، وبين الأثمان العالية التي تدفعها الطبيعة، ومن ورائها الإنسان نفسه، هناك تصور أحادي لفكرة التقدم، يقول إن التاريخ يمضي دائماً نحو الأمام، بطريقة خطية مستقيمة وتعاقبية، وهذا النفَس/الرؤية التفاؤلية للتاريخ، تشطب فكرة المعاودة، والتناقض، ونفي النفي، ومع هذا الشطب تلغي إمكانات واحتمالات الانتكاس إلى الوراء، مع أن التاريخ البشري هو تاريخ صعود وانتكاس، وليس فقط تاريخ صعود.

فكرة التقدّم منقوصاً منها مبدأ المسؤولية المشتركة تصبح فكرة استبدادية مدمرة، فالعالم الذي نعيش فيه كل مترابط. وقد زادت الثورات الصناعية الأربع من هذا الترابط، خصوصاً الثورة الرابعة، فقد أوجدت للمر الأولى، إمكانية التواصل الفوري بين البشر عبر التطور المذهل للاتصالات، لكن هذا التطور حمل معه أيضاً منافسات وصراعات قد تكون أيضاً آثارها شاملة للعالم كله، وليس لمنطقة محددة من العالم. فقد خبرت البشرية خلال الأعوام الثلاثة الماضية، ولا تزال، تأثير جائحة كورونا في كل بلدان العالم، ليس فقط من ناحية الانتشار الواسع والسريع للجائحة، وحصدها أرواح ملايين الضحايا؛ بل أيضاً تأثيرها المباشر في اقتصادات العالم، بما فيها الاقتصادات القوية.

المسؤولية المشتركة عن الأمن والسلم العالميين التي تعد المبدأ المؤسس للأمم المتحدة، والتي امتدت لتشمل بعد تأسيس هذه المؤسسة الدولية، العديد من القضايا العالمية، بما فيها قضايا الغذاء والماء، وحقوق الإنسان والمناخ، وغيرها من القضايا العالمية، تعاني في السنوات الأخيرة أزمات وانقسامات داخلها. وعلى الرغم من أن سِجل هذه المؤسسة يحتوي على إخفاقات عديدة، فإنه في حدود معقولة، كان يؤمّن جملة من التوازنات الضرورية التي تمنع الانزلاق العالمي نحو مواجهات كبرى، لكننا نشهد بشكل متزايد، مستوى عالياً من الانتهازية، لحصد مكاسب خاصة لمصلحة دولة ما، أو منظومة معينة، وهذا مفهوم ومشروع، لكن في إطار المحافظة على التوازن العالمي، وليس انقضاضاً عليه.

هناك قضايا لا ينبغي إغفالها في مفهوم التقدم، وأهمها ضرورة وجود التزام بمبادئ عليا، من مثل الحفاظ على كوكبنا صالحاً للعيش، والحفاظ على النوع البشري، ليس من الناحية الفيزيولوجية فقط، وإنما من النواحي الاجتماعية والإنسانية، بمعايير تحفظ حقوق الإنسان وكرامته، وأي تصور يتعارض مع هذه المبادئ مهما قدم من إنجازات علمية وتكنولوجية، فهو يمضي بنا إلى كارثة عالمية قد يكون من الصعب تجنّبها.

[email protected]

https://tinyurl.com/2txsexmj

عن الكاتب

إعلامي

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"