قوة روح الدولة

00:47 صباحا
قراءة 3 دقائق

حسام ميرو

قد لا تروق مقولة الروح للكثير من المشتغلين في عموم الفكر، والفكر السياسي خصوصاً، فكيف إذاً يكون الحال، فيما لو حاولنا أن نقارب مفهوماً سياسياً بامتياز، ومتعيناً، مثل الدولة، عبر مفهوم مثالي، هو الروح، لكن، مشروعية هذه المقاربة أنها ممتدة في الجدل الفلسفي/ السياسي منذ اليونان، وبداية مع أفلاطون، وصولاً إلى الفيلسوف الألماني فريدريش هيغل (1770-1831)، الذي يعتبر أن الدولة هي تحقق (تعيّن) العقل في الإنسان والتاريخ، وفي التناقض بين النظر إلى المفاهيم في كليتها في الفلسفة المثالية، وبين خصوصيتها وفرادتها في الفلسفة المادية، هناك نوع من التكامل، الذي تقيمه فكرة الوجود، بوصفه تعبيراً عن الوحدة والتنوع في الوقت ذاته، وهو ما يجعل من المفاهيم قابلة للجدل بين ماديتها ومثاليتها، أي بين ما هو متعيّن وبين ما هو غير قابل للتعين بشكل نهائي، لكنه فاعل بقوة.

يحيل مفهوم الروح إلى الوجدان والضمير والمبادئ، التي يعتقد على نطاق واسع، بأنها مفارقة لمفهوم السياسة، بوصفها عالم المنافع المادية، أي عالم الواقع ومصالحه المتغيّرة، إلا أن التاريخ، بوصفه مجالاً للصراع بين المصالح، هو كذلك صراع بين القيم، وتاريخ الفكر هو تاريخ المقاربة الأخلاقية للسياسة، وتاريخ السعي إلى تحديد قواعد للممارسة السياسية، وتحديد غاياتها، المتمثّلة في الخير والسعادة، بوصفهما قيمتين عاليتين محددتين للعالم الإنساني.

ثمة اتفاق في علم الاجتماع السياسي، على أنه لا أهمية للقيم، ولا وجود لها، خارج إطار الدولة، ما يجعل الدولة أكبر من أن تكون مجرّد إطار إدارة وتنظيم، وهي على الرغم من كونها كائناً مصطنعاً، لكنها، ولكونها كائناً مصطنعاً، فهي تشكّل إرادة ما، هي إرادة صنّاعها، وهي تعكس فعلياً رؤيتهم لذواتهم، ورؤيتهم لهذا الكيان الاصطناعي، أي الدولة، مع التحفظ بطبيعة الحال، على أن الإحالة إلى الجمع في الذوات، أو الرؤى، هي إحالة تقريبية، لا ينبغي أن تشطب معادلات القوّة في المجتمع والدولة، أي قدرة فئات معينة، في شرط تاريخي معين، أن تفرض ذاتها ورؤيتها على الدولة.

شهد تاريخ الفكر السياسي الحديث، محاولات لشطب مقولة الروح، عبر مادية مبتذلة، كما في المادية الستالينية (نسبة إلى جوزيف ستالين)، كمثال من بين أمثلة، كما تمّ اختزال الصراع الاجتماعي، ومن ورائه المجتمع، في قسم لا بأس به من الأدبيات الماركسية، إلى صراع بين طبقتين، الرأسمالية والعمال، أي بين أرباب العمل وبين منتجيه، بين المستحوذين على فائض القيمة وبين صنّاع فائض القيمة، وهذا الاختزال يلغي من الناحية المعرفية والواقعية أي تعريفات أخرى للمجتمع، كما يحّول الفرد إلى مجرّد عضو في جماعة طبقية، لكن، في مقابل هذه المادية المبتذلة، هناك مثالية أيديولوجية شرقية بألوان عديدة، دينية تارة، وعقائدية تارة أخرى، تحوّل المجتمع والفرد إلى مجرد رعايا، أو جنود في معركة أيديولوجية أو حتى ميتافزيقية.

في الدولة الحديثة، يشكّل الدستور المرجعية القيمية/ الوجدانية، التي تسمو فوق الصراعات، أو تحدد سياقات الصراع الاجتماعي في طابعه السلمي، كما أن الدولة، تمتلك من القوّة التنفيذية، ما يساعدها على جعل المواد الدستورية قابلة للإنفاذ القانوني، أي ما يجعلها قادرة عملياً على الحفاظ على القيم، لكن في الأساس، لا تأتي قوة الإلزام القانوني فقط من قوّة الأجهزة التنفيذية للدولة؛ بل من كون الدستور نفسه هو نتيجة تعاقدية لمجموع الأمة.

قوة روح الدولة، أو ضميرها وقيمها ووجدانها، في الدولة الحديثة، تأتي من اعترافها بالمبدأ الفردي، أي الإقرار بفردية الإنسان، وهذا المبدأ بطبيعته يحرّر الفرد من أية أسبقية جماعية عرقية، ودينية، وثقافية، وجنسية، كما يجعل من انتماء الفرد للجماعة انتماء فيه مستوى عالٍ من الطوعية، لكن الأهمية الكبرى لهذا المبدأ أنها ترسّخ المواطنة على قاعدة الفرد، وهو ما يؤسس دستورياً لأولوية الحقوق على الواجبات، بحيث تكون الدولة، بوصفها نتيجة تعاقدية/ اصطناعية بين الأفراد، كياناً لحماية الحريات، قبل أن تكون كياناً لفرض الواجبات.

أما تعيّن روح الدولة، فيمكن إدراكه وتلمسه في الواقع، وليس فقط في النص الدستوري؛ إذ إن هذا النص لا يمتلك أية قيمة مستقلة عن تحقق قيمه في الواقع، وكلما تعيّنت الحريات في الواقع، كلما كانت روح الدولة قوية، والحريات في هذا السياق هي تحقق لشروط العيش الإنساني كافة، وهي شروط لا تقتصر على المتطلبات الأساسية؛ بل تشمل مروحة واسعة من المتطلبات العلمية والمعرفية والثقافية والسياسية والحقوقية.

[email protected]

https://tinyurl.com/2cxtb4jz

عن الكاتب

إعلامي

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"