اللاعب والحكم وحارس المرمى

00:03 صباحا
قراءة دقيقتين

لم يترك إدواردو غاليانو شيئاً عن كرة القدم إلا وكتب عنه بلغته السريعة الرشيقة في كتابه «كرة القدم في الشمس والظل» الذي يعتبر تاريخاً أو شبه تاريخ لهذه اللعبة الشعبية العالمية؛ بل من جانب آخر، كما لو أن كرة القدم تؤرخ بدورها لبلاده الأروغواي ولأمريكا اللاتينية، لكن من أجمل ما في الكتاب أن غاليانو يعود بنا إلى أهداف كروية تاريخية ترجع إلى السبعينات والثمانينات والتسعينات من القرن العشرين: زمن بيليه ومارادونا، وغيرهما من كبار صنّاع ثقافة وجماليات اللعبة الأكثر متابعة ومشاهدة على مستوى العالم كلّه.
كتب غاليانو عن اللاعب الذي وصفه بأنه يركض على شفير الهاوية، ولكن هذا اللاعب لا يركض «ببلاش»، إنه يباع ويُشترى بالملايين، لا بل يقال إن بعض رجال الأعمال من أصحاب العقارات منح لاعباً شقة مجانية في إحدى عماراته، وذلك فقط ليجذب المزيد من السكان إلى عمارته، وبالتالي أصبح اللاعب وسيلة ترويجية تسويقية لمجرّد أن المستأجر يعرف أن اللاعب هو أحد سكان العمارة.
ما علينا من استعمال اللاعب لشقة يحصل عليها بالمجان، ولنعد إلى غاليانو ونسمع ما يقول في كتابه هذا عن اللاعب: «رجال الأعمال يشترونه، يبيعونه، يعيرونه، ويسلم هو قياده لهم مقابل الوعد بالمزيد من الشهرة والمزيد من المال، وكلما نال شهرة أكبر وكسب أموالاً أكثر، يصبح أسيراً أكثر. إنه يخضع لانضباط عسكري صارم، ويعاني كل يوم عقوبة التدريب القاسية».
ولكن انظر كم أن غاليانو نفسه، إما هو حسود، وإما هو غيور من لاعبي كرة القدم، فهو كان لاعباً فاشلاً قبل أن يتحوّل إلى كاتب ناجح، فما المانع من أن يكسب اللاعب المزيد من الأموال، وأمام المال يهون ويهون كل انضباط عسكري وكل عقوبة تدريب؟
ما قاله غاليانو عن اللاعب أخفّ بلوى مما قاله عن حارس المرمى فهو يقول عن الحارس: «يسمونه كذلك البوّاب، والغولار، وحارس الحاجز، وحارس القوس، ولكننا نستطيع أن نسميه الشهيد، الوثن، النادم، أو المهرّج الذي يتلقّى الصفعات، ويقولون إن المكان الذي يطأه لا ينبت فيه العشب أبداً. إنه وحيد محكوم عليه بمشاهدة المباراة من بعيد. ينتظر وحيداً إعدامه رمياً بالرصاص بين العوارض الثلاث».
بقي الحكم.. فماذا قال عنه غاليانو؟ «إنه الطاغية البغيض الذي يمارس ديكتاتورية دون معارضة ممكنة».
في كل الأحوال طغاة ملاعب كرة القدم، أقل بلوى من طغاة الأمم والشعوب.
[email protected]

https://tinyurl.com/nhc58j5p

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"