ذكرى وانفتاح على المستقبل

01:20 صباحا
قراءة 3 دقائق

د. إدريس لكريني

تحتفل دولة الإمارات بعيد الاتحاد اليوم، الذي يصادف مرور أكثر من نصف قرن على قيام وتأسيس الاتحاد، وهي مناسبة للوقوف على حجم الإنجازات التي تحققت على امتداد عدة عقود.

كان المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، وراء بلورة فكرة قيام دولة الإمارات، وذلك من منطلق إيمانه العميق بالتواصل والتنسيق والتعاون، حيث تنبّه إلى أهمية هذا التوجّه في فترة مبكرة، واعتبر أن «الاتحاد هو طريق القوة وطريق العزة والمنعة والخير المشترك، وأن الفرقة لا ينتج عنها إلا الضعف.. وأن الكيانات الهزيلة لا مكان لها في عالم اليوم»، كما أكد أيضاً أن هذه التجربة الوحدوية، ستأتي تتويجاً لأواصر القرابة وقناعة الجميع بأهمية التكتل.

وهكذا تأسست دولة الإمارات لتنضم إلى الجامعة العربية والأمم المتحدة، ولتدخل معترك العلاقات الدولية بكل ثقة وديناميكية. وبعد ذلك أصبحت دولة الإمارات تتطلع باستمرار إلى قيام وحدة خليجية، ولو على المستوى الاقتصادي، وهو ما تحقّق في 25 من مايو/أيار 1981 خلال الاجتماع الذي استضافته العاصمة الإماراتية أبوظبي، حيث تم خلاله الإعلان عن قيام مجلس التعاون الخليجي الذي يتكوّن من المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، ودولة الكويت، ومملكة البحرين، ودولة قطر وسلطنة عمان.

ومنذ ذلك الحين ودولة الإمارات تسهم بشكل فعال إلى جانب باقي الدول الأعضاء، في تقوية هذا الاتحاد نحو تحقيق مزيد من التكامل والتنسيق بين أطرافه على مختلف الصعد، حيث ظلت ترى في المجلس آلية لدعم المواقف العربية، ولتعزيز أداء جامعة الدول العربية.

وقد شكّل تحقيق التضامن في السياقين العربي والإسلامي، أولوية ضمن السياسة الخارجية لدولة الإمارات، ما دفعها إلى اتخاذ مواقف داعمة لعدد من القضايا الإقليمية العادلة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، كما حرصت أيضاً على تقديم الدعم والمساعدة للعديد من الدول العربية والإسلامية كلّما لزم الأمر، بينما قادت مجموعة من المبادرات الودّية والوساطات في سبيل تسوية عدد من الملفات الخلافية العربية والإسلامية.

وهكذا أرست سياسة خارجية منفتحة وهادئة، مبنية على الحوار والتواصل بين مختلف الشعوب والثقافات، واستثمار مختلف المقومات المتاحة لحفظ السلم والأمن الدوليين، في ظرفية دولية لا تخلو من تحديات ومخاطر تواجه الإنسانية جمعاء، حيث استضافت مجموعة من اللقاءات الدولية التي تدعم التقريب بين الشعوب والحضارات، وهو ما أكسبها الاحترام والمصداقية إقليمياً ودولياً.

وعلى المستوى الداخلي، أرست دولة الإمارات تجربة تنموية واعدة محورها الإنسان، ومبنية على التواصل والانفتاح على الفكر الإنساني والتكنولوجيا الحديثة، ما جعلها تتموقع على رأس قائمة الدول الأكثر تطوراً على الصعيد العالمي.

فقد تمكنت من بناء اقتصاد قوي ومتنوع يتجاوز الاعتماد على مداخيل النفط، بعدما أولت العناية الكبرى لقطاع المواصلات والاتصال، وشيّدت مؤسسات وطرقاً ومطارات وموانئ كبرى، وسعت إلى تطوير مختلف القطاعات الاجتماعية كالتعليم، باعتباره المدخل الرئيسي لبناء وتكوين الإنسان، حيث تبنّت استراتيجيات متطورة في هذا الخصوص على مستوى المضامين والمنهجيات، ما بوّأ الجامعات الإماراتية مكانة متقدّمة ضمن التصنيفات الواردة في التقارير الدولية ذات الصلة.

كما تمكنت أيضاً من بناء منظومة صحية متطورة، سواء من حيث التجهيزات أو البنى الأساسية، والكفاءات الطبية، وهو ما تأكد بشكل جلي إبان فترة جائحة كورونا.

أولت الإمارات اهتماماً كبيراً للبحث العلمي، حيث أسست مجموعة من المراكز التي تحتضن عدداً من الكفاءات العلمية، وتسهم بشكل كبير في إنتاج المعرفة، وإغناء الفكر الإنسانيين في مختلف الحقول المعرفية. ففي عام 2018 تم إطلاق «أجندة الإمارات للعلوم المتقدمة 2031» التي تقوم على استثمار البحث العلمي في بلورة حلول مستدامة لعدد من الإشكالات، وفي تطوير الاقتصاد، ثم استراتيجية 2021 للعلوم المتقدمة التي تستمد مقوماتها منها، وهو ما عزّز أسس التنمية، وسمح باقتحام مجالات حيوية كاستكشاف الفضاء، من خلال «مسبار الأمل» إلى المريخ، والمستكشف «راشد» إلى القمر.

إن ما حققته دولة الإمارات من منجزات هائلة على المستوى الخارجي، أو في ما يتعلق بمختلف القطاعات الداخلية، هو نتاج لإرادة سياسية حقيقية، وتتويج لعمل جماعي دؤوب، تأكد معه أن تحقيق التنمية وإرساء سلوك خارجي منفتح وفاعل، لا يتأتّى فقط بامتلاك الدول لعناصر القوة بمختلف تجلياتها؛ بل بحسن توظيف هذه الإمكانيات بشكل «مُحوكم» ومنفتح على المستقبل.

[email protected]

https://tinyurl.com/4h4jdku5

عن الكاتب

​باحث أكاديمي من المغرب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"