جذور فكرة الكونية

00:49 صباحا
قراءة 3 دقائق

عبد الإله بلقزيز

لفكرة الكونيّة تاريخٌ طويل تطوّرت فيه دلالتها وجغرافيّتها، قبل أن تستقرّ على ما استقرّت عليه في العصر الحديث. لذلك هي لا تعني اليومَ ما عَنَتْه أمس لتبايُن شروط إدراكها أو افتراضها. من ذلك، مثلاً أنّه قبل أن يتضافر عِلْما الفلك والجغرافيا في مسْح فضائنا الإنسانيّ الحيويّ (كوكب الأرض)، ورفْع السّتار عن حدوده ومكوِّناته وتمكيننا من معرفة تفاصيل جغرافيّته، كان معنى الكونيّة أو العالَميّة يتردّد بين حَدَّيْن على قدرٍ من التّباعُدِ كبير: بين حدٍّ بصريّ، مرئيّ تسمح به المُعاينةُ المباشرة أو الإفادات - المكتوبة والمسموعة - عن أقاليمَ وبلدانٍ ومناطقَ أخرى مشاهَدة من قِبَل رحّالةٍ جائلين وجَغَارِفة دارسين، أو إفاداتٍ مكتسبة من آثار شعوبٍ وأممٍ أخرى؛ أكانت آثاراً ثقافيّة- دينيّة، أو عسكريّة، أو تجاريّة ( سلع ومنتوجات)؛ ثمّ حدٍّ ذهنيّ، لا مرئيّ متولّدٍ من افتراض العالم مكاناً ممتدّاً ولا نهائيّاً: على ما كان عليه الاعتقاد الذي كرَّسته الهندسة الأقليديّة والجغرافيا والفلك البطليموسيّان.

من البيِّن أنّ حدود الكونيّة، في الإدراك الأوّل (البصريّ، المرئيّ)، محدودةٌ بحدود الإمكان البصريّ المتواضعة. إنّها حدود العالم القديم الذي عرفته الحضارات والثّقافات الكبرى، قبل عصور «الاكتشافات» الجغرافيّة، وتحدّثت عنه في تراثاتها المكتوبة والمنقوشة. لكنّ حدود تلك الكونيّة تتّسع كلّما انصرف التّفكير إليها بما هي حدودٌ ذهنيّة افتراضيّة. على أنّها ظلّت حدوداً مبهمة لا يَطَأ التّفكير أرضَها بمفرداتٍ دقيقةٍ دالّة على معنى، وإنِ استمرّ الاعتقاد بأنّ مدى العالم أرْحب ممّا هو منظورٌ مشاهدةً وإنْ حَجَبَتْه عنّا موانع من الجغرافيا من قبيل «بحر الظّلمات» وأشباهه ممّا ذكرتْه المصادر الجغرافيّة والأدبيّة القديمة.

في الأحوال جميعاً، وأيّاً يكن مدى العالم وحدودُه المكانيّة في التّمثُّلات القديمة، فإن ميلاد فكرةٍ كونيّةٍ في وعي الإنسان أَرْهَص بميلادٍ مبكّرٍ لفكرةِ إنسان عابرٍ لحدود الجماعات الطّبيعيّة والاجتماعيّة؛ الجماعات التي تتمايز من بعضها بالموطن (المَحَلّة الصّغيرة)، والقرابة وروابط الدّمّ، واللّسان، ثمّ الدّين والثّقافة...، والتي كان حفاظُها على عالمها الصّغير يمنعها من التّفكير في عوالمَ أكبر، ما خلا في الأوقات التي يضيق فيها العيشُ عليها فيَضْطرُّها الشّظف والفاقة إلى مبارحة مكانها نحو العالم الخارجيّ: إمّا مصطدمةً بغيرها المقيم فيه، الذي يبدي المدافَعة لئلاّ يزاحمَهُ غيرُهُ في ما لديه، أو متحاشيةً ذلك بالبحث عن مرابعَ خالية. ولكنّ هذا النّوع من النّزوح الاضطراريّ من الموطن إلى خارجه لا يقود، حتماً، إلى اكتشاف العالم وإلى السّعي إلى العالميّة. إنّ ذلك لا يكون إلاّ في حالة الجماعات التي ينشأ داخلها مشروعٌ يتجاوز نطاق ذاتها، فترى في نفسها قوّةً منذورة إلى تحقيق ذلك المشروع في محيطها، أو خارج دائرة وجودها الاجتماعيّ. وهذه كانت ظاهرة جديدة في حياة الجماعات الإنسانيّة لم تشهدها إلاّ في المراحل المتأخّرة من التّاريخ؛ أي قبل بضعة آلاف من السّنين فقط.

يعود إلى المجتمعات الكبيرة ذات الحضارات العريقة، وإلى الأديان (خاصّةً التّوحيديّة منها، والمسيحيّة والإسلام تحديداً)، الفضل في ازْدِراع فكرةِ العالميّة أو الكونيّة لدى أهلها؛ وذلك لأنّها أَفْرجتْ عن رؤية تتخطّى وجودها المباشر وتلحظ غيرَها من الأمم والشّعوب والجماعات، وتعتقد أنّ على غيرِها من البشر أن يكونوا على مثالها: حياةً واعتقاداً وسلوكاً وقيماً. لذلك زوّدت هذه المجتمعات والدّيانات أبناءَها بمشروعٍ تاريخيّ للتّحقيق. هكذا حَمَل أنبياء، وأباطرةٌ كبار، وحكماء، وقادة عسكريّون فكرةَ الكونيّة ونشروها في الآفاق، بل نجح منهم مَن حقَّق قسماً منها في مجاله الخاصّ: السّياسيّ، أو الثّقافيّ، أو العَقَديّ... إلخ. وهذه، مثلاً، حال إمبراطوريّاتٍ كبرى مثل الإمبراطوريّة الرّومانيّة أو العربيّة - الإسلاميّة؛ وحال ثقافات كبرى مثل الثّقافة اليونانيّة واللاّتينيّة والعربيّة والصّينيّة والهنديّة؛ كما هي حال أديانٍ توحيديّة مثل المسيحيّة والإسلام، وأخرى غيرِ توحيديّة مثل البوذيّة والهندوسيّة.. إلخ.

وما كان يمكن للمرء أن يتخيّل، لحظةً، كيف كان يمكن للعالم أن يكون لولا هذا المنزع الكونيّ أو العالميّ الذي حملته الحضاراتُ والثّقافات والأديانُ تلك؛ والذي من خلاله انتقلتِ الخبْراتُ والألسُن والقيمُ الماديّةُ والثّقافيّة والاعتقاداتُ... من مجتمعٍ لآخر. لقد صنع إنسانيّةً جديدةً قائمةً على التّبادل والتّثاقُف والتّفاهُم جنباً إلى جنبٍ - طبعاً - مع الصّراع. ولكن إذا كانتِ المصالح - وهي متضاربة - هي التي تدعو المجتمعات إلى الصّراعات بينها، فالمصالحُ نفسها هي ما لا يمكن بلوغها إلاّ بالتّفاعل والتّبادل بين الشّعوب والأمم.

[email protected]

https://tinyurl.com/5n7278th

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"