كتبت أمس عن مفهوم مسرح الصحراء في مناسبة الدورة السادسة لمهرجان الشارقة للمسرح الصحراوي. وفي سياق هذه الكتابة، يمكن الكتابة ولو من باب الاجتهاد والاقتراح عن مفهوم آخر هو مسرح البحر، إذا أخذنا بعين الاعتبار أن المكان هنا هو ما يحدّد هذا المفهوم، بمعنى إقامة عروض في الهواء الطلق بالقرب من البحر أو في البحر، لنقل مثلاً المسرح العائم أو مسرح الماء.
عروض مسرح البحر إن أمكن وصول هذه «الفكرة الحلم» إلى حيّز التنفيذ، هي بالطبع عروض ثقافة البحر، وثقافة البلدان الشاطئية. ثقافة الماء بكل تداعياتها وجمالياتها وتاريخها الثقافي القائم على حياة الغوص والبحر والبحّارة، وأبطال البحر وشهدائه ومفقوديه، وأثريائه أيضاً، فكما أن للبرّ أثرياؤه.. للبحر أيضاً أثرياؤه وفقراؤه، وشجعانه وأساطيره، وحكاياته المنسوجة من وجع المراكب وسفر الماء، وغياباته التراجيدية المديدة.
غزيرة وخصيبة موضوعات وقصص وسرديات وشعريات وغنائيات وموسيقات البحر، وبعضها موثّق إما في فوتوغرافيات قديمة، أو في أرشيفات مرئية ومسموعة من أيام الإذاعة وتلفزيون الأبيض والأسود.
الدراسات والبحوث التراثية المشدودة إلى روح الثقافة الشعبية حول ثقافة البحر، موجودة هي الأخرى في بعض المؤلفات لمختصين خليجيين وإماراتيين، وفي كتب تاريخ المنطقة، ولمن يريد أن يستقصي ويبحث، هناك الكثير الكثير من روايات وحكايات البحر: الصراعات السياسية وصراعات المصالح الإقليمية والدولية، التجارة وطرقها وأسواقها وصراعاتها أيضاً، كل ذلك موجود في المرجعيات التاريخية حول المنطقة، وعلى رأسها المؤلفات التاريخية لصاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى، حاكم الشارقة.
مسرح البحر إذاً موجود في الإمارات، موجود في النص الشعري والقصصي الإماراتي، موجود في العرض المسرحي، موجود في البحث التراثي الشعبي، والأهم من كل ذلك أن البحر حاضر إلى الأبد في ذاكرة أهل وسكان هذه الجغرافية المائية الموازية في حضورها الكثيف للجغرافية البرية.
ما الذي تبقى إذاً، من أجل قيام مسرح البحر أو المسرح البحري أو مسرح الماء؟
بقي المكان فقط؛ أي مكان العرض في البحر نفسه أو على شاطئه أو في امتداده.. تماماً، مثلما توفر للمسرح الصحراوي مكان عرض مُحدّد هو الصحراء.
مشروع الشارقة الثقافي مشروع أفكار ورؤى ومبادرات إبداعية جمالية حيوية بالدرجة الأولى، ومسرح البحر ليس بعيداً عن روح هذا المشروع النبيل.
[email protected]