الزلزال

00:03 صباحا
قراءة دقيقتين

 أطلقت بعض وسائل الإعلام على زلزال سوريا وتركيا وصف «زلزال القرن». تقصد بذلك أنه القرن الحادي والعشرين، تحديداً في الأسبوع الأول من شباط في عام 2023، ونقل الإعلام أيضاً صوراً فوتوغرافية وتلفزيونية وصوتية تُوثّق الزلزال، ومنها صور كلاب استُعين بها للعثور على أحياء من خلال رائحتهم وربما أصواتهم، لا بل كان الصوت إحدى وسائل الاستدلال على أحياء تحت الأنقاض حين كان يُطلب من الصحفيين ورجال الإنقاذ التزام الصمت تماماً، من أجل سماع صوت مستغيث تحت الركام.

يحدث هذا، سيدي القارئ في هذا القرن؛ القرن الحادي والعشرين: استخدام الكلاب، والصمت.

***

 في العادة لا ينبح الكلب حين يكتشف جثة أو يكتشف إنساناً ميّتاً، ربما لأن الحيوان يحترم موت الإنسان، فيروح يتحرك، ويعوي يصمت، ويحبط حزنه الحيواني في ذاته الكلبية المحدودة، وينتقل  سبحان الله  من جثة إلى جثة، من دون عواء.

***

أرسلت بعض دول العالم مساعدات إغاثة إلى المنكوبين في زلزال سوريا وتركيا: طحين وثياب، وزيت ومعلّبات ودواء، في قصة تلفزيونية طويلة عنوانها المعابر والسماح لهذه المساعدات بدخول المناطق المنكوبة، وخلال قصص هذه المساعدات ظهر عنصر تراجيدي  لا يمكن أن يخطر على بال، ذكره صحفي مبتدئ على الحدود، وكان يرتجف من البرد. قال: إن اقتسام الأكل والثياب والطعام والدواء المرسل إلى منكوبي الزلزال يشبه تماماً اقتسام قطعة القماش تلك التي يُلَفّ بها الميت (الكَفَنْ). نصفه لي ونصفه للميت، ابتزاز أو تجارة أو مُقايضة.

***

 نقلت إحدى الفضائيات صورة تلفزيونية التقطها مُصوّر كان هو الآخر يرتجف من البرد في زلزال سوريا وتركيا. جاءت الكاميرا على صفيحة حجرية مستطيلة كتب عليها بخط عربي جميل العبارة التالية: «نحن متنا، شكراً لخذلانكم». وجاءت الكاميرا التلفزيونية أكثر من مرة على الصفيحة الحجرية المكتوب عليها هذه العبارة. الحجر يتكلم، والبشر يَصمتون.

***

يبكي السوري، وما هو ملح دمع السوري. يقول: انظر ما جرى لقبة منارة الجامع الأموي، وباب أنطاكية، وخان الوزير، وسوق الجوخ، وحين سألته: ما هو سوق الجوخ؟ قال: القماش يا صاحبي القماش. مَنْ لم يلبس الجوخ لا يعرف القماش.

[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"